Super User
خطبة بعنوان: صفة الحج والعمرة
لفضيلة الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله -
الخطبة الأولى:
الحمد لله الذي بعث محمدا -صلى الله عليه وسلم- بالهدى ودين الحق رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين، وحجة على العباد أجمعين، وجعل دينه مبنيا على تحقيق العبادة لله رب العالمين، ميسرا، سمحا، سهلا، لا حرج فيه ولا مشقة، ولا تضيق، ولا تعسير.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له العلي القدير.
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله البشير النذير، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما.
أما بعد:
أيها الناس: إنكم تستقبلون في هذه الأيام السفر إلى بيت الله الحرام، راجين من الله تكفير ذنوبكم والآثام، والفوز بدار السلام، والخلف العاجل عما انفقتموه في هذا السبيل من الأموال.
فيا أيها المسلمون: إنكم تتوجهون إلى بيت ربكم وحرماته إلى أمكنة فاضلة، تؤدون فيها عبادة من أفضل العبادات، لستم تريدون بذلك نزهة، ولا فخرا، ولا رياءً، بل تريدون عبادة تتقربون بها إلى الله، وتخضعون فيها لعظمة ربكم.
فأدوها -أيها المسلمون-: كما أمرتم من غير غلو، ولا تقصير، ولا إهمال، ولا تفريط، وقوموا فيها بما أوجب الله عليكم، من الطهارة، والصلاة، وغيرها من شرائع الدين.
إذا خرجتم مسافرين إليها، فاستحضروا أنكم خارجون لعبادة من أجل الطاعات.
وفي سفركم التزموا القيام بالواجبات، من الطهارة، والجماعة للصلاة، فإن كثيرا من الناس يفرطون في الطهارة، فيتيممون مع إمكان الحصول على الماء، وإن من وجد الماء، فلا يجوز له أن يتيمم.
وبعض الناس يتهاون بالصلاة مع الجماعة، فتجده يتشاغل عنها بأشياء يدركها بعد الصلاة.
وإذا صليتم، فصلوا قصرا تجعلون الصلاة الرباعية ركعتين من خروجكم من بلدكم، حتى ترجعوا إليه، إلا أن تصلوا خلف إمام يتم، فأتموها أربعا تبعا للإمام سواء أدركتم الصلاة، أو فاتكم شيء منها.
وأما الجمع، فإن السنة للمسافر، ألا يجمع إلا إذا جد به السير، وأما النازل في مكان، فالسنة ألا يجمع.
وأما الرواتب التابعة للمكتوبات، فالأولى تركها إلا سنة الفجر.
وأما الوتر، وبقية النوافل، فإنهما يفعلان في الحضر والسفر.
وتحلوا بالأخلاق الفاضلة من، السخاء، والكرم، وطلاقه الوجه، والصبر على الآلام، والتحمل من الناس، فإن الأمر لا يدوم.
وللصبر عاقبة محمودة، وحلاوة لذيذة.
وإذا وصلتم الميقات، فاغتسلوا، وتطيبوا في أبدانكم في الرأس واللحية.
ثم أحرموا بالعمرة متمتعين، وسيروا إلى مكة ملبين، فإذا بلغتم البيت الحرام، فطوفوا سبعة أشواط طواف العمرة.
واعلموا أن جميع المساجد مكان للطواف القريب من الكعبة والبعيد، لكن القرب منها أفضل، إذ لم تتأذ بالزحام، فإذا كان زحام، فأبعد عنه، والأمر واسع -ولله الحمد-.
فإذا فرغتم من الطواف، فصلوا ركعتين خلف مقام إبراهيم إما قريبا منه، إن تيسر، وإلا فلو بعيد المهم أن يكون المقام بينك وبين الكعبة.
ثم اخرجوا لسعي العمرة، وابدأوا بالصفا.
فإذا أكملتم الأشواط السبعة، فقصروا من رؤوسكم من جميع الرأس، ولا يجزئ التقصير من جانب واحد لا تغتروا بفعل الكثير من الناس.
فإذا كان اليوم الثامن من ذي الحجة، فاغتسلوا، وتطيبوا، وأحرموا بالحج من مكان نزولكم، واخرجوا إلى منى، وصلوا بها الظهر والعصر، والمغرب والعشاء الآخرة، والفجر، قصرا من غير جمع؛ لأن نبيكم -صلى الله عليه وسلم- كان يقصر بمنى، وفي مكة، ولا يجمع.
فإذا طلعت الشمس يوم عرفة، فسيروا ملبين، خاشعين لله إلى عرفة، واجمعوا فيها بين الظهر والعصر جمع تقديم على ركعتين.
ثم تفرغوا للدعاء، والابتهال إلى الله.
واحرصوا أن تكونوا على طهارة، واستقبلوا القبلة، ولو كان الجبل خلفكم؛ لأن المشروع استقبال القبلة.
وانتبهوا جيدا لحدود عرفة وعلاماتها، فإن كثيرا من الحجاج يقفون دونها، ومن لم يقف بعرفة، فلا حج له؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "الحج عرفة"
وكل عرفة موقف شرقيها وغربيها، وجنوبيها وشماليها، إلا بطن الوادي، وادي عرنة؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "وقفت ها هنا وعرفة كلها موقف"
فإذا غربت الشمس، وتحققتم غروبها، فادفعوا إلى مزدلفة ملبين خاشعين.
والزموا السكينة ما أمكنكم، كما أمركم بذلك نبيكم -صلى الله عليه وسلم-، فلقد دفع من عرفة، وقد شنق لناقته الزمام، حتى أن رأسها ليصيب مورك رحله، وهو يقول بيده الكريمة: "أيها الناس السكينة السكينة"
فإذا وصلتم مزدلفة، فصلوا بها المغرب والعشاء، ثم بيتوا بها إلى الفجر.
ولم يرخص النبي -صلى الله عليه وسلم- لأحد في الدفع من مزدلفة قبل الفجر إلا للضعفة رخص لهم أن يدفعوا في آخر الليل.
فإذا صليتم الفجر، فاتجهوا إلى القبلة، وكبروا الله، واحمدوه، وادعوه حتى تسفروا جدا، ثم سيروا قبل طلوع الشمس إلى منى، ثم القطوا سبع حصيات، واذهبوا إلى جمرة العقبة، وهي الأخيرة التي تلي مكة، وارموها بعد طلوع الشمس بسبع تكبرون الله مع كل حصاة، خاضعين له، معظمين.
واعلموا أن المقصود من الرمي تعظيم الله، وإقامة ذكره.
ويجب أن تقع الحصاة في الحوض، وليس بشرط أن تضرب العمود.
فإذا فرغتم من رمي الجمرة، فاذبحوا الهدي، ولا يجزئ في الهدي إلا ما يجزئ في الأضحية.
ولا بأس أن توكل شخصا يذبح لك.
ثم احلقوا بعد الذبح رؤوسكم، ويجب حلق جميع الرأس، ولا يجوز حلق جميع الرأس، ولا يجوز حلق بعضه دون بعض.
والمرأة تقصر من أطراف رأسها بقدر أنملة.
وبعد ذلك حللتم التحلل الأول، فالبسوا، وقصوا أظفاركم، وتطيبوا، ولا تأتوا النساء.
ثم انزلوا قبل صلاة الظهر إلى مكة، وطوفوا للحج، واسعوا، ثم، ارجعوا إلى منى.
وبالطواف والسعي مع الرمي، والحلق حللتم التحلل الثاني، وجاز لكم كل شيء، حتى النساء.
أيها الناس: إن الحاج يفعل يوم العيد أربعة أنساك: رمي الجمرة، ثم النحر، ثم الحلق، ثم الطواف، والسعي، وهذا هو الترتيب الأكمل
ولكن لو قدمتم بعضها على بعض، فحلقتم قبل الذبح مثلا، فلا حرج، ولو أخرتم الطواف والسعي حتى تنزلوا من منى، فلا حرج، ولو أخرتم الذبح، وذبحتم في مكة في اليوم الثالث عشر، فلا حرج، لا سيما مع الحاجة والمصلحة.
وبيتوا ليلة الحادي عشر بمنى، فإذا زالت الشمس، فارموا الجمرات الثلاث مبتدئين بالأولى، ثم الوسطى، ثم العقبة كل واحدة بسبع حصيات تكبرون مع كل حصاة.
ووقت الرمي في يوم العيد للقادر من طلوع الشمس، وللضعيف من آخر الليل وآخره إلى غروب الشمس.
ووقته فيما بعد العيد من الزوال إلى غروب الشمس، ولا يجوز قبل الزوال، ويجوز الرمي في الليل، إذا كان الزحام شديدا في النهار.
ومن كان لا يستطيع الرمي بنفسه لصغر أو كبر أو مرض، فله أن يوكل من يرمي عنه، ولا بأس أن يرمي الوكيل عن نفسه، وعمن وكله في مقام واحد، لكن يبدأ بالرمي لنفسه.
فإذا رميتم اليوم الثاني عشر، فقد انتهى الحج، وأنتم بالخيار، إن شئتم تعجلتم، ونزلتم، وإن شئتم، فبيتوا ليلة الثالث عشر.
وارموا الجمار الثلاث بعد الزوال، وهذا أفضل؛ لأنه فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-.
فإذا أردتم الخروج من مكة، فطوفوا للوداع، والحائض والنفساء لا وداع عليهما، ولا يشرع لهما المجيء إلى باب المسجد، والوقوف عنده.
أيها المسلمون: هذه صفة الحج، فاتقوا الله فيه، ما استطعتم، واسمعوا، وأطيعوا.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)
بارَك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بِما فيه من الآيات والذكْر الحكيم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم .
الخطبة الثانية:
الحمدُ لله حمدًا كثيرًا مباركًا طيِّبًا فيه، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة نرجو الله بها النجاة يوم نلاقيه، وأشهدُ أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا .
أما بعد:
أيها المسلمون، فاذكروا نعمة الله عليكم بهذا الدين القويم، وأقيموه لله مُخلصين ولرسوله متَّبعين، واسألوا الله عليه الثبات إلى يوم تلقون رب العالمين .
أيها المسلمون، إن دين الإسلام وصفه الله تعالى بأنه كامل، فقال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً)
ولهذا كان الدين الإسلامي وسطًا بين الأديان السابقة وعدلاً خيارًا ومُهيمنًا عليها، ناسخًا لها، فلا قيام للأديان السابقة مع الدين الإسلامي، ومِن وسطيّته وعدله بين الأديان: أنه كانت شريعة التوراة إذا قتل أحدٌ أحدًا فإنه يجب قتله ولا خيار لأولياء المقتول في العفو عنه كما قال الله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) إلى آخر الآية، وكانت شريعة عيسى بن مريم دون ذلك فكانت توجِبُ السماح والعفو؛ لأن الناس في ذلك الوقت لا يُطيقون المقاصَّة، أما هذا الدين الإسلامي فكان عدلاً ورحمة كما قال الله عزَّ وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ)
اللهم صلِّ وسلّم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين .
المجلس الثاني عشر من مجالس شَهر رمضان (في النوع الثاني من تلاوة القرآن)
قال فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله وغفر له:-
سبق في المَجْلِس الخامسِ أنَّ تِلاوةَ القرآنِ على نوعيْن:-
النوع الأول: تلاوةِ لفظِهِ وهي قراءته وتقدَّم الكلامُ عليها ، والنوعُ الثاني تلاوةُ حُكمِه بتصديقِ أخبارِهِ واتَّباعِ أحكامِهِ، فعْلاً للمأموراتِ وتركاً للْمنهِيَّات. ، وهذا النَّوعُ هو الغايةُ الْكُبرَى من إنزال القرآن .
ولهذا دَرَجَ السلف الصالحُ -رضي الله عنهم-على ذلك يتعلَّمون القرآن، ويصدِّقون بِهِ، ويُطبقون أحْكامَه تطبيق إيْجاب، وهذا النوعُ من التلاوة هو الَّذِي عليه مَدار السعادةِ والشقاوةِ،
عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أن النبي -صلى الله عليه وسلّم- قال: «القرآنُ حُجَّةٌ لك أو عليك». وقال ابن مسعودٍ -رضي الله عنه-: القرآنُ شافعٌ مُشفَّعٌ فمَن جَعلَه أمَامَهُ قادهُ إلى الجنةِ ،ومن جعله خلفَ ظهرهِ ساقَه إلى النار .
عبادَ الله: هذا كتابُ الله يُتْلى بَيْن أيْديكم ويُسْمَع،وهو القرآنُ الَّذي لو أُنزِلَ على جبلٍ لَرأيْتَه خاشِعاً يَتَصَدَّع، ومع هذا فلا أُذُنٌ تسمع، ولا عينٌ تدْمع، ولا قلبٌ يخشع، ولا امتثالٌ للقرآنِ فيُرجَى به أنْ يَشْفع، قلوبٌ خَلتْ من التَّقْوى فهي خَرَابٌ بَلْقَع، وتَرَاكمتْ عليها ظُلْمةُ الذنوب فهي لا تُبْصِرُ ولا تَسْمع، كم تُتْلى علينا آيَاتُ القرآنِ وقُلوبُنا كالحجارةِ أو أشد قَسْوة، وكم يتوالى علينا شهرُ رمضانَ وحالُنا فيه كحالِ أهلِ الشَّقْوة، لا الشَّابُّ منا يَنِتَهي عن الصَّبوة، ولا الشيخُ ينْتَهي عن القبيح فيَلْحقُ بأهلِ الصَّفوَة، أينَ نحنَ من قومٍ إذا سمِعُوا داعيَ الله أجابُوا الدَّعْوة، وإذا تُليتَ عليهم آياتُه وَجلَتْ قُلوبُهم وجَلتْهَا جَلْوَة، أولئك قومٌ أنْعَمَ الله علَيْهم فعرفُوا حقَّه فاختارُوا الصَّفوة.
إخواني: احفَظُوا القرآنَ قبلَ فواتِ الإِمكان، وحافِظُوا على حدودِهِ من التَّفْرِيطِ والعِصْيان. واعْلَمُوا أنَّه شاهدٌ لكم أوْ عليكم عند المَلِكِ الدَّيَّان، ليس مَنْ شُكْر نعمةِ الله بإِنْزَالِهِ أنْ نَتَّخِذَه وراءَنا ظِهْريَّاً، وليس مِنْ تعظيمِ حرمات الله أنْ تتخذَ أحكامَه سِخْرياً.
المصدر:
كتاب:مجالس شَهر رمضان.
المجلس الحادي عشر من مجالس شَهر رمضان (آداب الصيام المُستحبّة)
قال فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله وغفر له:-
القسمُ الثّاني من آداب الصيام المُستحبّة ومنها :السُّحُورُ وهو الأكلُ في آخِرِ الليل سُمِّي بذلكَ لأنَّه يقعُ في السَّحَرِ فقد أمَرَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلّم- به فقال: «تَسحَّروا فإن في السحوَر بركة» ويَنْبَغِي للمتسحر أنْ ينْويَ بِسُحُوره امتثالَ أمر النبي -صلى الله عليه وسلّم-، والاقْتداءَ بفعلِهِ، ليكونَ سُحُورُه عبادةً، وأنْ ينويَ به التَّقَوِّيَ على الصيام ليكونَ له به أجرٌ. والسُّنَّةُ تأخيرُ السُّحورِ ما لَمْ يخْشَ طلوعَ الْفَجْرِ ،وتأخيرُ السُّحور أرفْقُ بالصائِم وأسْلَمُ من النومِ عن صلاةِ الفجرِ.
ومن آداب الصيام المستحبةِ: تعجيلُ الفُطور ،والسنَّة أنْ يفطِرَ على رُطَبٍ، فإن عُدِم فتمْر، فإنْ عُدِم فَمَاء، وينبغي أن يدعُوَ عند فِطرِه بما أحَبَّ، فعن النبيِّ -صلى الله عليه وسلّم- أنَّه قال: «إنَّ للصائِمِ عند فطْرِه دعوةً ما تُرَدُّ».
ومن آدابِ الصيامِ المستحبةِ: كثرةُ القراءةِ والذكرِ والدعاءِ والصلاةِ والصدقة.
ومن آداب الصيام المستحبةِ: أنْ يَسْتحضِرَ الصائمُ قدْرَ نعْمة الله عليه بالصيام حيثُ وفَّقَه له ويَسَّره عليه حتى أتمَّ يومَه وأكْملَ شَهْره، فإنَّ كثيراً من الناسِ حُرمُوا الصيامَ إمَّا بموتِهِم قبل بلوغِهِ أو بعجْزهم عنه أو بضلالهم وإعْرَاضِهِم عن القيام به،.
المصدر:
كتاب:مجالس شَهر رمضان.
المجلس العاشر من مجالس شَهر رمضان (في آداب الصّيام الواجبة)
قال فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله وغفر له:-
اعْلَمُوا أنَّ للصيام آداباً كثيرةً لا يتمُّ إِلاّ بها ولا يكْمُلُ إِلاَّ بالقيامِ بها وهي على قِسمَين: آدابٌ واجبةٌ:لا بُدَّ للصائم من مُراعاتِها والمحافظةِ عليها
وآداب مستحبةٌ: ينبغي أن يُراعيها ويحافظَ عليها.
منَ الآداب الواجبةِ أنْ يقومَ الصائمُ بما أوجبَ الله عليه من العباداتِ القوْليَّةِ والفعليَّةِ ومن أهمِّها الصلاةُ والقيامِ بأرْكانِها وواجباتِها وشروطِها، فيؤديها في وقْتِها مع الجماعةِ في المساجِدِ، فإنَّ ذَلِكَ من التَّقْوى التي مِنْ أجْلها شُرعَ الصيامُ وفُرِضَ على الأمة، وإضاعةُ الصلاة مُنافٍ للتَّقْوى وموجبٌ للعقوبةِ.
ومِنَ الصائمين مَنْ يتهاونُ بصلاة الجماعةِ مع وُجوبها عليه ،وبتركِ الجماعةِ يَعرِّضُ نفْسَه للعقوبةِ ومشابهةِ المنافقينَ، ومن الصائمين مَنْ يتجاوزُ بالأمر فينامُ عن الصلاةِ في وقتِها، وهذا منْ أعظمِ المنكرات وأشدِّ الإِضاعَةِ للصلواتِ حتى قال كثيرٌ من العلماءِ: إن مَنْ أخَّرَ الصلاةَ عن وقتِها بدونِ عذْرٍ شرعيٍّ لَمْ تقبلْ وإن صلى مئة مرة.
ومن الآداب الواجبةِ: أن يجتِنبَ الصائمُ جميعَ ما حَرَّمَ الله ورسولُه مِنَ الأقوال والأفَعالِ، فيجت، ويجتنبَ الكذبَ وهو الإِخبار بخلاف الواقع ،ويجتنبُ الغِيْبَةَ،سواءٌ كان فيه ما تقُولُ أمْ لم يكُنْ يجتنبُ النَّمِيْمَةَ وهي نقْلُ كلامِ شخصٍ في شخصٍ إليهِ ليُفْسدَ بَينهما، وهي من كبائِر الذنوبِ، قال فيها رسولُ الله -صلى الله عليه وسلّم-: «لا يدخلُ الجَنَّةَ نَمَّام»،
ويجتنبُ الْغِشَّ في جميع المعاملاتِ من بيعٍ وإجارةٍ وصناعةٍ ورهنٍ وغيرها، وفي جميع المناصحاتِ والمشوراتِ فإنَّ الغشَّ من كبائِر الذنوبِ.
فاحذورا أيها المسلَمونَ نواقضَ الصومِ ونواقِصَهُ، وصُونُوه عن قول الزُّورِ والعملِ به. قال النبي صلى الله عليه وسلّم: «من لم يَدَعْ قولَ الزور والعملَ به والجهلَ فليس لله حاجةٌ في أنْ يَدَع طعامَهَ وشرابَه».
المصدر:
كتاب:مجالس شَهر رمضان.
المجلس التاسع من مجالس شَهر رمضان (في حِكَم الصيام)
قال فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله وغفر له:-
إنَّ للصيامِ حِكَماً كثيرةً استوجبتْ أنْ يكونَ فريضةً من فرائِض الإِسلامِ وركناً منْ أركانِه.
فمنْ حِكَمِ الصيام أنَّه عبادةٌ لله تعالى يَتَقَرَّبُ العبدُ فيها إلى ربِّه بتْركِ محبوباتِه ومُشْتَهَياتِه منْ طعام وشرابٍ ونِكاح، فيظْهرُ بذلك صدقُ إيْمانِه وكمالُ عبوديتِه لله وقوةُ مَحَبَّته له ورجائِه ما عنده.
ومنْ حِكَمِ الصيام أنه سببٌ للتَّقْوى، وإذا كان الصائمُ متلبساً بالصيامِ فإنَّه كلَّما همَّ بمعصيةٍ تَذكَّر أنَّه صائمٌ فامتَنعَ عنها.
ولهذا أمرَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلّم- الصائمَ أنْ يقولَ لمَنْ سابَّه أو شاتَمَه: إنِي امْرؤٌ صائمٌ، تَنْبيهاً له على أنَّ الصائمَ مأمورٌ بالإِمساك عن السَّبِّ والشَّتْمِ، وتذكيراً لنفْسِه بأنه متلبسٌ بالصيام فيمتنعُ عن المُقابَلةِ بالسبِّ والشتم.
ومن حِكَم الصيامِ أن القلب يتخلَّى للفِكْرِ والذِّكْرِ، لأنَّ تَناوُلَ الشهواتِ يستوجبُ الْغَفْلَةَ ورُبَّما يُقَسِّى القلبَ ويُعْمى عن الحقِّ.
ومنْ حِكَمِ الصيامِ أنَّ الغنيَّ يَعرفُ به قدْرَ نعمةِ الله عليه بالغِنَى حيثُ أنعمَ الله تعالى عليه بالطعامِ والشرابِ والنكاح وقد حُرِمَهَا كثيرٌ من الْخلْق فَيَحْمَد الله ،ويذكرُ بذلك أخَاه الفقيرَ الذي ربَّما يبيتُ طاوياً جائِعاً فيجودُ عليه بالصَّدَقةِ.
ومن حِكَمِ الصيامِ التَّمرُّنُ على ضَبْطِ النَّفْسِ، والسَّيْطرةُ عليها، والْقوَّةُ على الإِمساكِ بزِمَامِهَا حتى يتمكنَ من التحكم فيها ويقودَها إلى ما فيه خيرُها وسعادتها.
ومن حِكَمِ الصيامِ أنَّ مجارِيَ الدَّم تضيقُ بسببِ الجوع والعطشِ فتضيقُ مَجارِي الشيطانِ من الْبَدنِ فإنَّ الشيطانَ يَجْري مِن ابن آدَمَ مجْرَى الدم، كما ثبت ذلك .
المصدر:
كتاب:مجالس شَهر رمضان.
المجلس الثَامن من مجالس شَهر رمضان (في بقيّةِ أقسام الناس في الصيّام وأحكام القضاء)
قال فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله وغفر له:-
القسمُ الثامنُ:الحائضُ فيحرمُ عليها الصيامُ ولا يصحُّ منها، وإذا ظَهَرَ الحيضُ منها وهي صائمةٌ ولو قبلَ الغروبِ بلحْظَةٍ بَطلَ صومُ يومِها ولزِمَها قضاؤه إلاَّ أنْ يكون صومُها تطوُّعاً فقضاؤه تطوُّعٌ لا واجبٌ.
القسمُ التاسعُ:المرأة إذا كانت مُرضعاً أو حاملاً وخافتْ على نفسِها أو على الولَد من الصَّوم فإنها تفطرُ .
القسمُ العاشرُ:مَن احتاج للْفطرِ لِدفْعِ ضرورةِ غيرهِ كإِنقاذ معصومٍ مِنْ غرقٍ أوْ حريقٍ أو هدْمٍ أوْ نحو ذلك فإذا كان لا يُمكنه إِنقَاذُه إلاَّ بالتَّقَوِّي عليه بالأكْل والشُّرب جاز له الفِطرُ، بل وَجبَ الفطرُ حِيْنئذٍ لأن إنقاذ المعصوم من الْهَلكَةِ واجبٌ، وما لا يَتمُّ الواجبُ إلاَّ به فهو واجبُ، ويلزمُه قضاءُ ما أفْطَرَه.
ولا يجوزُ تأخيرُ القضاءِ إلى رمضانَ الثاني بدونِ عذرٍ لقولِ عائشة -رضي الله عنها-: «كان يكونُ عليَّ الصومُ من رمضانَ فما أسْتطيع أنْ أقضيه إلاَّ في شعبانَ»، ، ولأنَّ تأخيره إلى رمضانَ الثاني يُوْجبُ أنْ يتراكم عليه الصومُ وربَّمَا يعجزُ عنه أوْ يموتُ، ولأن الصومَ عبادةٌ متكرِّرةٌ فَلْم يَجُز تأخيرُ الأولَى إلى وقتِ الثانيةِ كالصلاةِ، فإن استَمرَّ به العذرُ حَتَّى ماتَ فلا شَيْءَ عليه لأن الله سبحانه أوجَبَ عليه عدَّةً من أيامٍ أُخَرَ ولم يتمكنْ منْها فسقطت عنه ، فإن تمكَّن من القضاءِ فَفَرَّط فيه حتى مات صام وليُّهُ عنه جميعَ الأيامِ التي تمكَّنَ من قضائِها.
ويجوز أنْ يصومَ عنه جماعةٌ بعددِ الأيامِ التي عليه في يوم واحدٍ، قال البخاري: قال الحسنُ: إن صامَ عنه ثلاثَونَ رجلاً يوماً واحداً جاز. فإن لم يكن له وليٌّ أو كان له وليٌّ لا يريدُ الصومَ عنه أُطعمَ مِنْ تركتِه عن كلِّ يومٍ مسكينا بعددِ الأيام التي تمكَّنَ من قضائِها.
المصدر:
كتاب:مجالس شَهر رمضان.
المَجلس السابع من مجالس شَهر رمضان ( طائفة من أقسام النّاس في الصيام )
قال فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله وغفر له:-
قدَّمنا الكلامَ عن خْمسَةِ أقسامٍ من الناس في أحْكامِ الصيام ، ونُكمل بحول الله.
القسمُ السادسُ:المسافرُ إذا لم يقْصُدْ بسَفَرِه التَّحيُّلَ على الفِطْرِ، فإن قَصَد ذَلِكَ فالفطرُ عليه حرامٌ والصيامُ واجبٌ عليه حْينئذٍ،فإذا لَمْ يقصد التَّحيُّلَ فهو مخيَّرٌ بين الصيام والفطر سواءٌ طالتْ مدةُ سفره أمْ قصُرتْ.
والأفضل للمسافر فعلُ الأسهلِ عليه من الصيام والْفِطرِ، فإنْ تساويَا فالصَّومُ أفضلُ لأنَه أسْرعُ في إبراء ذمته وأنشط له إذا صامَ معَ الناسِ.
وإذا كان المسافرُ يَشُقُّ عليه الصومُ فإنَّه يفطرُ ولا يصُومُ في السفرِ، ففي حديثِ جابرٍ السابق أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلّم- لمَّا أفْطرَ حينَ شَقَّ الصومُ على الناس قيل له: إنَّ بعض الناسِ قد صَامَ، فقالَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلّم-: «أولَئِك العُصاةُ، أولئك العصاة»
القسمُ السَّابعُ:المِريضُ الَّذِي يُرجَى برؤُ مرضِه وله ثلاثُ حالاتٍ:
إحداها: أنْ لا يشقَّ عليْه الصومُ ولا يَضُرُّه، فيجبُ عليه الصومُ لأنه ليس له عُذْرٌ يُبِيح الْفِطْرَ.
الثانيةُ: أنْ يشقَّ عليْه الصومُ ولا يضُرُّه، فيفطرُ لقوله تعالى: {وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} ويُكْره له الصوم مع المشقَّةِ، لأنه خروجٌ عن رُخصةِ الله تعالى وتعْذيبٌ لنفسه،الثالثةُ: أنْ يضُرَّه الصومُ فيجبُ عليه الْفطرُ ولا يجوزُ له الصومُ.
المصدر:
كتاب:مجالس شَهر رمضان.
المجلس السّادس من مجالس شَهر رمضان (أقسام النّاس في الصيام )
قال فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله وغفر له:-
استقرتْ أحْكامُ الصيامِ فكان الناسُ فيها أقساماً عَشرَةً:
الأوَّلُ:المُسلِمُ البالغُ العاقلُ المقيمُ القادر السالمُ من الموانعِ، فيجبُ عليه صومُ رمضانَ أدَاءً في وقتِه.
الثاني:الصغيرُ فلا يجب عليه الصيامُ حتى يبلُغَ ، لكن يأمُرُه وليُّه بالصومِ إِذَا أطاقه تمريناً لَهُ على الطاعة ليألفَهَا بعْدَ بلوغِهِ اقتداءً بالسلفِ الصالح.
الثالثُ:المجنونُ وهو فاقِدُ العقلِ فلا يجبُ عليه الصيامُ.
الرابعُ:الْهَرِمُ الَّذِي بلَغَ الهذَيَان وسقَط تَميِيزُه ،فلا يجبُ عليه الصيامُ ولا الإِطعام عنه لسُقوطِ التكليف عنه بزَوال تمييزهِ فأشْبهَ الصَّبيَّ قبل التمييزِ،فإن كان يُميّز أحياناً ويهذي أحياناً وجبَ عليه الصوم في حال تمييزه دونَ حالِ هذَيانِه.
الخامسُ:العاجزُ عن الصّيام عجْزاً مستَمِراً لا يُرجَى زوالُه، كالكبيرِ والمريضُ مرضاً لا يُرْجى برؤه كصاحبِ السَّرطانِ ونحوِه، فلا يجبُ عليه الصيامُ لأنَّه لا يستطيعُه.
لكن يجبُ عليه أن يُطعمَ بدلَ الصيامِ عنْ كلِّ يومٍ مسكيناً ، لأنَّ الله جَعَل الإِطعامَ مُعَادلاً للصيامِ حينَ كان التخييرُ بينهُما ، فتعيَّن أنْ يكون بدلاً عن الصيامِ عند العَجزِ عنه لأنه معادله.
المصدر:
كتاب:مجالس شَهر رمضان.
