الغلو في محبة النبي (صلى اللّه عليه وسلم)

بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ


لقد أكرم اللّه البشرية والأمة المحمدية ببعثة الرسول المصطفى والنبي المجتبى محمد صلى اللّه عليه وسلم فهدى به من الضلالة وبصر به من العمى وأخرج به الناس من الظلمات إلى النور وأتم اللّه به النعمة وكمل به الدين:

قال اللّه تعالى: {لقد من اللّه على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} مات رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقد بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في اللّه حق جهادة حتى أتاه اليقين، ما من خيرإلا ودل عليه الأمة وما من شر إلا وحذرها منه فصلوات ربي وسلامه عليه.

ومن الأمور التي لا تخفى على المسلمين أن محبة النبي صلى اللّه عليه وسلم من الأمور الواجبة المتعينة على كل مسلم ومسلمة، وقد جاء في الحديث (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين) وهذه المحبة الواجبة دليلها وبرهانها: طاعة النبي صلى اللّه عليه وسلم فيما أمر وتصديقه في ما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وألا يعبد اللّه إلا بما شرع قال اللّه تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} وقال سبحانه: {لقد كان لكم في رسول اللّه أسوة حسنة لمن كان يرجو اللّه واليوم الآخر}، قال الحافظ ابن كثير - رحمه اللّه -: (هذه الآية الكريمة أصل في التأسي بالنبي صلى اللّه عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله).

ومن القواعد المهمة في الإسلام أن العبادات توقيفية لا مجال للعقل فيها، وهي مبنية على الاتباع لا الابتداع، وأن الأصل فيها الحظر والمنع حتى يرد الدليل على مشروعيتها، ودليل هذه القاعدة ما روته أم المؤمنين عائشة رضي اللّه عنها أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد » رواه مسلم.

إلا أن بعض المسلمين هداهم اللّه ابتدعوا في دين اللّه بدعا ما أنزل اللّه بها من سلطان، ومن ذلك ما يقع من بعضهم في شهر ربيع الأول من احتفال بمولد النبي صلى اللّه عليه وسلم، فظنوا أن هذا الاحتفال قربة وطاعة وما علموا أنه بدعة وضلالة، فالاحتفال بمولد النبي صلى اللّه عليه وسلم أمر لا يجوز شرعاً وهو مردود لعدة أوجه:

أولاً: عدم وجود الدليل على مشروعيته من الكتاب أو السنة وقد قال اللّه تعالى:{أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به اللّه} وفي الحديث: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد».

ثانيا: أن الشريعة الإسلامية شريعة كاملة ليس فيها زيادة ولا نقصان، قال اللّه تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}.

وقال الإمام مالك - رحمه اللّه -: (من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمداً صلى اللّه عليه وسلم خان الرسالة، لأن اللّه يقول {اليوم أكملت لكم دينكم} فما لم يكن يومئذ دينا فلا يكون اليوم دينا).

ثالثاً: أن الصحابة رضي اللّه عنهم أتقى الناس للّه تعالى وأشدهم حرصاً على الخير، وأعظم محبة للنبي صلى اللّه عليه وسلم ممن جاء بعدهم، ومع ذلك لم يحتفلوا بمولده صلى اللّه عليه وسلم ولو كان خيراً لسبقونا إليه، ونحن مأمورون بالاهتداء بهديهم والسير على طريقتهم كما في حديث العرباض بن سارية رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة «رواه أبو داود والترمذي».

رابعاً: أن الاحتفال بمولده صلى اللّه عليه وسلم أمارة على الغلو فيه، وقد قال اللّه تعالى {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم}. وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: «إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين».

ومن المؤسف والمؤلم أن بعض المحتفلين بمولده صلى اللّه عليه وسلم صاروا يرددون القصائد المحرمة المشتملة على الكفر باللّه ومن ذلك ما جاء في بردة البوصيري:


يا أكرم الخلق من لي من ألوذ به
سواك عند حدوث الحادث العمم
فإن من جودك الدنيا وضرتها
ومن علومك علم اللوح والقلم



واعتقاد: أن أحداً يعلم الغيب مع اللّه كفر باللّه لقوله تعالى: {قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا اللّه وما يشعرون أيان يبعثون}.

خامساً: أن الاحتفال بمولده صلى اللّه عليه وسلم تشبه بالنصارى الذي يحتفلون بميلاد المسيح عليه السلام وقد جاء في صحيح البخاري قوله صلى اللّه عليه وسلم: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبداللّه».

سادساً: يعتذر بعض المحتفلين بمولد النبي صلى اللّه عليه وسلم بقولهم نحن نحب النبي صلى اللّه عليه وسلم ونريد الخير والثواب في ذلك.

فالجواب بأن يقال: إن حسن القصد أو إرادة الخير ليس مبرراً كافياً لصحة العمل، وإلا لو كان الأمر كذلك لصحت صلاة الظهر خمسا لمن أراد الخير في زيادة ركعة خامسة، وكذا الطواف حول البيت عشراً لمن أراد الخير في زيادة ثلاثة أشواط.

ورضي اللّه عن الصحابي الجليل عبداللّه بن مسعود عندما أنكر على جماعة ابتدعوا في الأذكار فقالوا: يا أبا عبدالرحمن واللّه ما أردنا إلا الخير فقال لهم: (وكم من مريدٍ للخير لم يصبه).

ولهذا قرر العلماء قاعدة جليلة وهي أن العبادة لا تقبل إلا بشرطين اثنين عظيمين: الإخلاص للّه تعالى والمتابعة للنبي صلى اللّه عليه وسلم وهو معنى قوله تعالى: {هو الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً}.

قال الفضل بن عياض: (أحسنه أخلصه وأصوبه أي خالصاً للّه صواباً على سنة رسوله صلى اللّه عليه وسلم).

ومن الأمور المنكرة التي تحصل في بعض احتفالات المولد النبوي اختلاط الرجال بالنساء، واستعمال الأغاني والمعازف، وشرب المسكرات والمخدرات بل قد يصل الأمر والعياذ باللّه إلى الشرك الأكبر والاستغاثة بالنبي صلى اللّه عليه وسلم أو غيره من الأولياء.

ومن الأمور المنكرة والقبيحة قيام بعضهم عند ذكر ولادته صلى اللّه عليه وسلم إكراماً له وتعظيماً لاعتقادهم أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يحضر المولد في مجلس احتفالهم ولهذا يقومون له محيين ومرحبين. وهذا من أعظم الباطل وأقبح الجهل فإن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لا يخرج من قبره قبل يوم القيامة ولا يتصل بأحد من الناس ولا يحضر اجتماعهم بل هو مقيم في قبره صلى اللّه عليه وسلم إلى يوم القيامة وروحه في أعلى عليين عند ربه في دار كرامته، قال صلى اللّه عليه وسلم: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من يشق عنه القبر وأول شافع وأول مشفع» أخرجه مسلم. وهذا دليل على أن النبي صلى اللّه عليه وسلم وغيره من الأموات إنما يخرجون من قبورهم يوم القيامة.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز - رحمه اللّه - (وهذا أمر مجمع عليه بين علماء المسلمين ليس فيه نزاع بينهم) أ.ه . نسأل اللّه تعالى أن يهدي ضال المسلمين وأن يردهم إلى التوحيد والسنة رداً جميلاً.

 

منقول عن موقع صيد الفوائد

 

 

المولد النبوي بين الاتباع والابتداع

بسم الله الرحمن الرحيم
اللَّهُمَّ اهدِني وسدِّدْني وثبِّتْني
المَوْلِدُ النَّبويُّ بينَ الاتِّباعِ والابتداعِ



الحمدُ للهِ الَّذي أَرسَلَ رسولَه بالهدى ودينِ الحقِّ لِيُظهِرَه على الدِّينِ كُلِّه, أَحمَدُه سُبحانَه وأَشكُرُه، وأُصلِّي وأُسلِّمُ على عبدِ اللهِ ورسولِه مُحمَّدٍ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-، أعلى النَّاسِ منزلةً، وأعظمِهم قدرًا, وأسماهم ذِكرًا.
خيرُ الأنامِ، وبدرُ الظَّلامِ، وماءُ الغمامِ، أَحبَّكَ ربِّي فصَلَّى عليكَ، عليكَ الصَّلاةُ وأزكى السَّلامِ؛ وعلى آلِه وصحبِه أُولِي النُّهى والأحلامِ، والتَّابعينَ لهم، ومَن تَبِعَهم بإحسانٍ.

أمَّا بعدُ؛ فإنَّ مَولِدَه -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- كان حَدَثًا عظيمًا، وهذا الحدثُ انقسم النَّاسُ فيه إلى فريقينِ:
- مُتَّبِعٌ لِمَا جاء عن النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- باتِّباعِ ما أمر، واجتنابِ ما عنه نهى وزَجَرَ.
- ومُبتدِعٌ ابتَدَع بِدَعًا حسَّنها له ذَوقُه وهواه، وزيَّنها له شيطانُه ونفسُه، فنشأ عندَ بعضِ الضُّلَّالِ من الرَّافضةِ والصُّوفيَّةِ وجَهَلةِ المسلمين ما يُسمَّى بالاحتفالِ بيومِ (المَوْلِدِ النَّبويِّ الشَّريفِ)!

وقبلَ التَّحقيقِ المُوجَزِ لهذه المسألةِ، ينبغي أن يَعلَمَ الجميعُ: أنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-ما مات إلَّا وقد بيَّن لنا أحكامَ الدِّينِ أَكمَلَ بيانٍ وأَوضَحَه، بل ما مات -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-وطائرٌ يُقلِّبُ جناحَيْه في السَّماءِ إلَّا وعندَ الأُمَّةِ منه خبرٌ.

في يومِ الحجِّ الأكبرِ أَنزَلَ اللهُ -عزَّ وجلَّ- على نبيِّه -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- آيةً من كتابِه بَيَّنَ فيها كمالَ الدِّينِ وتمامَه؛ فقال جَلَّ وعلا: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا}[المائدة: 3].

تَأمَّلُوا في قولِه: {أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}؛ جاء بلَفْظةِ الكمالِ هنا، معَ وُرُودِ لفظةِ التَّمامِ في ذاتِ الآيةِ؛ فما الفرقُ بينَ الكمالِ والتَّمامِ في القرآنِ الكريمِ؟ عِلْمًا أنَّ لفظةَ الكمالِ بسياقِها في القرآنِ لم تَرِدْ إلَّا في موضعينِ:

- في آياتِ الصِّيامِ، في سورةِ البقرةِ، في قولِ اللهِ تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ}[البقرة: 158].

- وفي هذه الآيةِ. وتَأمَّلُوا ذلك في كتابِ اللهِ سُبحانَه وتَعالَى.
إنَّ المُتأمِّلَ في لفظةِ(الكمال) يُدرِكُ أنَّه لا يُؤتَى بها إلَّا في الشَّيءِ الَّذي لا يُمكِنُ أن يُزادَ عليه، بل الزِّيادةُ عليه ممَّا يُعابُ لا ممَّا يُستحسَنُ، وممَّا يُرَدُّ بغيرِ قَبُولٍ، فإذا بلغ الشَّيءُ المِثالَ الأَعلى يُقالُ له: كَمُلَ، أَو كَمَالٌ. ولذلك قال اللهُ هنا: {أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}.

أمَّا التَّمامُ فقد يُزادُ عليه، والزِّيادةُ فيه مقبولةٌ أحيانًا، ولذلك قال اللهُ هنا: {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي}؛ فقد يُتِمُّ اللهُ على العبدِ نعمةً، ثُمَّ يَمُنُّ عليه بزيادةِ نِعَمٍ على نِعَمِه الَّتي آتاه، فتكونُ الزِّيادةُ والتَّمامُ له بالنِّعَمِ ممَّا يُقبَلُ ويُحمَدُ.

وعليه فإنَّ الدِّينَ قد كَمُلَ فلا يَقبَلُ الزِّيادةَ، فمَن زاد في الدِّينِ فقد أَنقَصَه، كما أنَّ النَّقصَ فيه نقصٌ، ولذلك جاء في الصَّحيحينِ من حديثِ أُمِّنَا عائشةَ -رضي اللهُ عنها- أنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- قال:«مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ؛ فَهُوَ رَدٌّ»، وفي روايةِ مُسلمٍ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا؛ فَهُوَ رَدٌّ».

فهذا الحديثُ أصلٌ من أصولِ الدِّينِ، أصلٌ لِرَدِّ كُلِّ مُحدَثةٍ وبدعةٍ، قال الحافظُ ابنُ رجبٍ -رحمه اللهُ تعالى-: (فكُلُّ مَن أَحدَث شيئًا، ونَسَبَه إلى الدِّينِ، ولم يكنْ لهُ أصلٌ من الدِّينِ يُرجَعُ إليه = فهو ضَلالةٌ، والدِّينُ بريءٌ منه، وسواءٌ في ذلك مسائلُ الاعتقادِ أو الأعمالِ أو الأقوالِ الظَّاهرةِ والباطنةِ) [«جامع العلوم والحِكَم»2/128]، فإذا تَقرَّر هذا الأصلُ فنَلِجُ إلى مسألةِ الاحتفالِ بالمَوْلِدِ النَّبويِّ، وحُكمِه، فنقولُ:

الَّذي يَظهَرُ -واللهُ تعالى أعلمُ- أنَّ الاحتفالَ بالمولدِ النَّبويِّ بدعةٌ مُنكَرةٌ، يجبُ إنكارُها والتَّحذيرُ منها، وليست كما قال بعضُهم: مسألةٌ اجتهاديَّةٌ يسوغُ فيها الخلافُ. بل لا خلافَ في بِدْعيَّتِها، وتظهرُ بدعيَّتُها من أوجهٍ:

أوَّلًا: ينبغي أن يُعلَمَ أنَّه لا يَثبُتُ بدليلٍ صحيحٍ، أو نقلٍ صريحٍ من أهلِ التَّاريخِ أنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- وُلِد في اليومِ الثَّاني عشَرَ من شهرِ ربيعٍ الأوَّلِ، بل إنَّ في تاريخِ مَوْلِدِه -عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ- خِلافًا مشهورًا، فلا يَثبُتُ أنَّه وُلِد في هذا التَّاريخِ، وصَحابتُه -رضوانُ اللهِ عليهم- لم يعلموا أنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- وُلِد يومَ الاثنينِ إلَّا منه، فهو أعلمُ النَّاسِ بمَوْلِدِه، ومعَ هذا لم يُحدِّدْ لهم أيَّ اثنينِ هو؟ ولا سألوه هم؛ لأنَّ الدِّينَ عملٌ لا حَدَثٌ.

فلم يَثبُتْ على وجهِ التَّحديدِ تاريخُ ولادةِ النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-،وإنَّما ذَكَرَ أهلُ السِّيَرِ في ذلك أقوالًا مُتعدِّدةً، قد اشتَهَر القولُ بأنَّ مَولِدَ النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- كان في الثَّاني عشَرَ من شهرِ ربيعٍ الأوَّلِ، وقد رجَّحه بعضُ العلماءِ، إلَّا أنَّ ذلك لا يثبتُ بوجهٍ صحيحٍ.

ثانيًا: لا يُعلَمُ من أحدٍ من أهلِ القرونِ المُفضَّلةِ أنَّهم احتَفَلوا بالمولدِ النَّبويِّ،وقد بيَّن النَّبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- خيرَ القرونِ بقولِه: «خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»[مُتَّفَقٌ عليه]، والخيريَّةُ هنا في الاتِّباعِ، فلم يُنقَلْ في تاريخِ الصَّحابةِ، والتَّابعين، وتابِعِيهم، وتابعِي تابِعِيهم، بل إلى ما يَزِيدُ على ثَلاثِمِئةٍ وخمسينَ سنةً هجريَّةً، لم نَجِدْ أحدًا لا من العلماءِ، ولا من الحُكَّامِ، ولا حتَّى من عامَّةِ النَّاسِمَن قال بهذا، أو أمر به، أو حثَّ عليه؛ بل وَرَدَ ما يَدُلُّ على خلافِه، وذلك أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ -رضي اللهُ عنه- أرَّخ التَّاريخَ بالهجرةِ النَّبويَّةِ، ولم يُؤرِّخْه بميلادِ النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-، كما فعل أهلُ الكتابِ في عيسى ابنِ مريمَ عليه السَّلامُ؛ لِيُعلِمَ النَّاسَ أنَّنا أُمَّةُ عملٍ، لا أُمَّةُ أزمنةٍ وحوادثَ مُجرَّدةٍ!

قال الحافظُ السَّخاويُّ -رحمه اللهُ تعالى- في «فتاويه»: (عملُ المَوْلِدِ الشَّريفِ لم يُنقَلْ عن أحدٍ من السَّلفِ الصَّالحِ في القرونِ الثَّلاثةِ الفاضلةِ، وإنَّما حدث بعدَهم) [نقلًا عن «سُبُل الهُدَى والرَّشاد» للصَّالحيِّ 1/439، ط. وزارة الأوقاف المصريَّة].

إذًا، السُّؤالُ المُهِمُّ: متى حدث هذا الأمرُ؟ [أَعنِي الاحتفالَ بالمولدِ النَّبويِّ]، وهل الَّذي أَحدَثه علماءُ أَو حُكَّامُ وملوكُ وخلفاءُ أهلِ السُّنَّةِ ومَن يُوثَقُ بهم، أم أحدٌ غيرهم؟
والجوابُ عن هذا السُّؤالِ باختصارٍ، كما قرَّره أهلُ التَّواريخِ والسِّيَرِ والمعرفةِ بأحوالِ النَّاسِ:

أنَّه حدث في القرنِ الرَّابعِ الهجريِّ، على يدِ حُكَّامِ الدَّولةِ العُبَيديَّةِ الرَّافضيَّةِ [المُسمَّاةِ زُورًا بالفاطميَّةِ]؛ فهو ابتداعٌ مِن دولةٍ رافضيَّةٍ، ذاتِ زُورٍ وبهتانٍ، وهذه البدعةُ نشأت عندَهم من الغُلُوِّ في آلِ البيتِ، المُتمثِّلِ في إقامةِ مَوْلِدِ عليٍّ، وفاطمةَ، والحسنِ، والحُسَينِ، فحَشَروا بدعةَ المولدِ النَّبويِّ بينَ هذه البدعِ تماشيًا معَ بدعِهم!!

ثالثًا: العباداتُ مبنيَّةٌ على التَّوقيفِ؛ فلا يُتعبَّدُ للهِ -عزَّ وجلَّ- إلَّا بدليلٍ من الكتابِ أو السُّنَّةِ، فهل اللهُ سبحانه تَعبَّدَنا بالاحتفالِ بالنَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- وبمَولِدِه، أم تَعبَّدَنا باتِّباعِه والسَّيرِ على منهجِه واقتفاءِ أثرِه؟ يقولُ اللهُ تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}[الأحزاب: 21].

قال الحافظُ ابنُ كثيرٍ -رحمه اللهُ تعالى-: (هذه الآيةُ الكريمةُ أصلٌ كبيرٌ في التَّأسِّي برسولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- في أقوالِه، وأفعالِه، وأحوالِه)[«تفسير ابن كثير»6/391].

لمَّا ادَّعى قومٌ محبَّةَ النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-؛ ابتلاهم اللهُ بهذه الآيةِ: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}[آل عمران: 31]، فمَن ادَّعى محبَّةَ النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- فإنَّه يُطالَبُ باتِّباعِه، لا بالاحتفالِ بمَولِدِه!

رابعًا: هل أَمَرَنا النَّبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- بهذا، أو ذَكَّرَ به، أم أنَّه -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- حذَّر مِن مثلِ هذا التَّصرُّفِ؛ من إطرائِه وتَجاوُزِ الحدِّ فيه؟!
لقد حذَّر من ذلك على المنبرِ بقولِه -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: «لا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ»[أخرجه البخاريُّ]، ولذلك يقولُ اللهُ -عزَّ وجلَّ-: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النُّور: 63]. قال ابنُ كثيرٍ -رحمه اللهُ تعالى-: (أي: فَلْيَحذَرْ وَلْيَخْشَ مَن خالَفَ شريعةَ الرَّسولِ باطنًا أو ظاهرًا {أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ} أي: في قلوبِهم، من كُفرٍ أو نفاقٍ أو بدعةٍ، {أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: في الدُّنيا؛ بقتلٍ، أو حدٍّ، أو حبسٍ، أو نحوِ ذلك)[«تفسير ابن كثير»6/90].

فنحنُ أُمِرْنا بالاتِّباعِ لا الابتداعِ، وبالمحبَّةِ له -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- لا بتجاوزِ الحدِّ فيه، وبتوقيرِه لا برفعِه عن منزلتِه. والَّذي يفعلُ هذا الأمرَ داخلٌ ضِمنَ الوعيدِ الَّذي تَوعَّد اللهُ -عزَّ وجلَّ- صاحبَه وفاعلَه بقولِه: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا}[النِّساء: 115]، والَّذي يفعلُ ما يُسمَّى بالمولدِ ويحتفلُ به لاشكَّ أنَّه مُتَّبِعٌ لغيرِ سبيلِ المؤمنين من الصَّحابةِ والتَّابعين وتابعيهم.

خامسًا: أيُّهما أعظمُ: يومُ المَولِدِ، أم يومُ البَعْثةِ؟
يومُ المولدِ عظيمٌ، لكنَّ يومَ البعثةِ أعظمُ، ففيه نزل على مُحمَّدٍ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- القرآنُ، وشُرِّفَ بالنُّبوَّةِ، ومعَ ذلك لم يُحدِّدْ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- يومَ البعثةِ؛ لأنَّه ليس محلًّا لعملٍ خاصٍّ؛ فكيف يُعظَّمُ يومُ المولدِ؟!

واللهُ تعالى لم يُنوِّهْ في القرآنِ بمَولِدِه، وإنَّما نَوَّه ببعثتِه -عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ- فقال تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} [آل عمران: 164].

سادسًا: الاحتفالُ بالمولدِ النَّبويِّ يفتحُ البابَ على مِصْراعَيْهِ للبدعِ الأخرى والموالدِ والاحتفالاتِ، كما هو حالُ الجهلةِ الآنَ، من إقامةِ الاحتفالاتِ بذكرى الهجرةِ، والإسراءِ والمعراجِ، ومعركةِ بدرٍ، ومولدِ البدويِّ، والدُّسوقيِّ، والشَّاذُليِّ، حتَّى صار غالبُ دينِ هؤلاءِ احتفالاتٍ ورقصًا وغناءً وذكرياتٍ! وإنَّا للهِ وإنَّا إليه راجعون.

سابعًا: إنَّ هذا الاحتفالَ معَ كونِه بدعةً في الدِّينِ، فهو كذلك مُشابَهةٌ للنَّصارى في احتفالاتِهم البدعيَّةِ بمولدِ المسيحِ عيسى عليه السَّلامِ، في كُلِّ سنةٍ، وقد نُهِينا عن مُشابَهتِهم في عباداتِهم وأعيادِهم وعاداتِهم الَّتي اختُصُّوا بها.

وممَّا سبق يَتبيَّنُ أنَّ هذا العملَ ليس من هديِ نبيِّنا -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-، ولا من هديِ خلفائِه، ولا مَن جاء بعدَهم، بل هو بدعةٌ رافضيَّةٌ مَقِيتةٌ، وحَدَثٌ صُوفيٌّ رذيلٌ، وفعلٌ من الجهلةِ قبيحٌ.


نسألُ اللهَ الهدايةَ لجميعِ المسلمين، والنَّجاةَ من البدعِ والمُحدَثاتِ، اللَّهُمَّ آمينَ.
واللهُ تعالى أعلمُ وأحكمُ.

 

منقول عن موقع صيد الفوائد

 

 

Top