ما هي الأشهر الحرم
تعريف الأشهر الحُرم
الأشهر الحُرم هي: الأشهر التي جعلها الله مُحرّمةً، يدلّ على ذلك قَوْل الله -سبحانه وتعالى-: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهورِ عِندَ اللَّـهِ اثنا عَشَرَ شَهرًا في كِتابِ اللَّـهِ يَومَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرضَ مِنها أَربَعَةٌ حُرُمٌ).
كما ورد في تعريف الأشهر الحُرم أنّها: الأشهر التي كتب الله فيها العهد والأمان على المشركين، قال الله -سبحانه وتعالى-: (فَإِذَا انسَلَخَ الأَشهُرُ الحُرُمُ فَاقتُلُوا المُشرِكينَ حَيثُ وَجَدتُموهُم وَخُذوهُم وَاحصُروهُم وَاقعُدوا لَهُم كُلَّ مَرصَدٍ فَإِن تابوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلّوا سَبيلَهُم إِنَّ اللَّـهَ غَفورٌ رَحيمٌ).
فتلك الأشهر مُحرّمةٌ؛ لأنّ الغزوات والمعارك كانت تتوقّف فيها، أمّا الدفاع عن النفس فلا يُحرّم في تلك الأشهر، وتجدر الإشارة إلى أنّ المعاصي محرّمةٌ في جميع السنّة، إلّا أنّها أشدّ تحريماً في الأشهر الحُرم.
منزلة الأشهر الحُرم في الإسلام
للأشهر الحُرم منزلةٌ عظيمةٌ عند الله -تعالى-، فقد اختصّها الله من بين شهور السنة، كما اختصّ غيرها من الخَلْق، والأزمنة، والأمكنة؛ فقد اختصّ من خَلْقه الرُّسل والملائكة، كما اختصّ من مواضع أرضه المساجد، ومن أيّام السنة يوم الجمعة، ومن الليالي ليلة القَدْر، ويدلّ على تلك المنزلة أنّ الله جعل الذنوب والمعاصي فيها أشدّ إثماً، بينما جعل الطاعات والعمل الصالح أعظم ثواباً وأجراً.
كما أنّ الظلم فيها أشد قُبحاً، وأعظم وِزْراً عمّا سواها من الشهور، ولذلك كان لتلك الشهور حقٌّ على المسلم بوجوب تعظيمها، وتشريفها بالعبادة والعمل الصالح كما شرّفها رب العزّة -سبحانه- بالتعظيم والتحريم.
الحِكمة من تحريم الأشهر الحُرم
تأتي الأشهر الحُرم كمحطّةٍ بين رُكنَين من أركان الإسلام، وهما: الصيام، والحجّ؛ إذ يأتي شهر رجب المُحرّم قبل شهر رمضان، فيكون فرصةً للاستعداد لصيام رمضان؛ تلك العبادة الجليلة التي تحتاج إلى شحذ النفوس، ومجاهدة النفس لتَرك ما تحبّه، بينما تأتي فريضة الحجّ في الأشهر الحُرم؛ لتتفرّغ النفس للعبادة.
ففرضيّة الحجّ فيها مَشقّةٌ تتطلّب بَذْل الجُهد والطاقة لأداء المناسك على الوجه المشروع، ويدلّ على ذلك ما ورد في السنّة النبويّة ممّا أخرجه الإمام البخاريّ في صحيحه عن أمّ المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-: (قُلتُ يا رَسولَ اللَّهِ، ألَا نَغْزُو ونُجَاهِدُ معكُمْ؟ فَقالَ: لَكِنَّ أحْسَنَ الجِهَادِ وأَجْمَلَهُ الحَجُّ، حَجٌّ مَبْرُورٌ، فَقالَتْ عَائِشَةُ فلا أدَعُ الحَجَّ بَعْدَ إذْ سَمِعْتُ هذا مِن رَسولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-)،
وفي ذلك الموقف بيانٌ لحكمة الشريعة ومقاصدها الجليلة؛ إذ تسعى دائماً بأحكامها وتشريعاتها إلى جلب المصالح للمسلمين، ودرء المفاسد عنهم، ودفعهم إلى اتِّخاذ القرارات الرشيدة، بتهيئة الظروف المناسبة لاتِّخاذها؛ ولذلك كانت الأشهر الحُرم مُنعطفاً تُراجع فيه الأمّة نفسها، وتُخرج فيها أفضل ما عندها من القرارت الرشيدة، والسياسات الحصيفة، وبما يحقّق لها مصالح الدين والدُّنيا، ويدرأ عنها المفاسد.
ترتيب الأشهر الحُرم
ينفرد شهر رجب من بين الأشهر الحُرم بكونه يأتي مُنفرداً عن باقيها، بينما تأتي الأشهر الحُرم الأخرى مُتتاليةً؛ تعقب بعضها بعضاً؛ إذ يأتي ذو القعدة، ليتبعه ذو الحِجّة، ثمّ شهر الله المُحرّم.
وقد ورد في الأثر عن النبيّ -عليه الصلاة والسلام- أنّ أوّل الأشهر الحُرم هو شهر رجب، ويكون بين جُمادى وشعبان، ثمّ يكون ذو الحِجّة، ثمّ ذو القِعدة، ثمّ شهر المُحرّم.
وقد كان أهل الجاهليّة يتحايلون على الأشهر الحُرم؛ ليتمكّنوا من قتال أعدائهم فيها؛ فكانوا يُحلّون رجباً من عامٍ، ويحرّمون بدلاً منه شهر صَفْر، وبذلك تكون عندهم أربعة أشهرٍ مُحرَّمةٍ في العام الواحد، فإن حَلّ عامٌ آخر، عادوا إلى تحريم رجب مرّةً أخرى؛ ليكونوا بذلك قد حرّموا أربعة أشهرٍ؛ باعتقادهم أنّهم لم يخالفوا أمر الله -سبحانه-.
فقد روى ابن رشد عن الكلبيّ أنّ المشركين كانوا يُحلّون شهر الله المُحرّم في عامٍ، ليحرّموا بدلاً منه شهر صَفْر، ثمّ يأتي العام القابل، فيعيدون التحريم إلى شهر مُحرّم ويُحلّون شهر صَفْر، وهكذا كانوا يتناوبون على تحريم هذين الشهرَين في كلّ عامٍ، وذلك ما ورد فيه النهي بقول الله -تعالى-: (إِنَّمَا النَّسيءُ زِيادَةٌ فِي الكُفرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذينَ كَفَروا يُحِلّونَهُ عامًا وَيُحَرِّمونَهُ عامًا لِيُواطِئوا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّـهُ فَيُحِلّوا ما حَرَّمَ اللَّـهُ زُيِّنَ لَهُم سوءُ أَعمالِهِم وَاللَّـهُ لا يَهدِي القَومَ الكافِرينَ).
وقد ورد في صحيح البخاريّ عن أبي بُكرة نفيع بن الحارث أنّ النبيّ -عليه الصلاة والسلام- قال: (إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَومَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَواتِ والأرْضَ، السَّنَةُ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلاثٌ مُتَوالِياتٌ: ذُو القَعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ، ورَجَبُ مُضَرَ الذي بيْنَ جُمادَى وشَعْبانَ).
خصائص الأشهر الحُرم
تتميّز الأشهر الحُرم بالعديد من الخصائص والفضائل والميّزات، بيان البعض منها آتياً:
- تحريم القتال والظلم فيها.
- مُضاعفة الحسنات للعبادات والأعمال الصالحة فيها؛ وقد استدلّ العلماء على تلك الفضيلة بأنّ الله عظّم الذنوب فيها؛ دلالة على شرف تلك الأيّام ومنزلتها عند الله، مِمّا يدلّ على فَضْل الأعمال والطاعات فيها، وقال ابن القيّم - رحمه الله- مُبيّناً ذلك: "تُضاعف مقادير السيئات لا كمياتها، فإنّ السيئة جزاؤها السيئة، لكنّ سيئة كبيرة وجزاؤها مثلها، وصغيرة وجزاؤها مثلها، فالسيئة في حرم الله وبلده وعلى بساطه آكد منها في طرف من أطراف الأرض".
- أداء فريضة الحجّ في أيّام شهر ذي الحِجّة، وهو من الأشهر الحُرم، واشتماله أيضاً على خير الأيّام عند الله؛ وهي العشر من ذي الحِجّة التي أقسم الله -سبحانه- بها في قوله: (وَالْفَجْرِ*وَلَيَالٍ عَشْرٍ)، كما أنّ أفضل الأيّام العشر يومُ عرفة؛ قال النبيّ -عليه الصلاة والسلام-: (ما مِن يَومٍ أَكْثَرَ مِن أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فيه عَبْدًا مِنَ النَّارِ، مِن يَومِ عَرَفَةَ، وإنَّه لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بهِمِ المَلَائِكَةَ، فيَقولُ: ما أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟)، وكذلك يوم النّحر، الذي قال فيه النبيّ: (إنَّ أعظمَ الأيَّامِ عندَ اللَّهِ تبارَكَ وتعالَى يومُ النَّحرِ).
- تغليظ دِيَة القتل في الأشهر الحُرم عند الشافعيّة والحنابلة، ومخالفة الإمام مالك والحنفيّة لهم.
المصدر: موقع موضوع
الأشهر الحرم: مكانتها وخصائصها في القرآن الكريم
عظّم الله من شأن الأشهر الحُرُم وذكرها في أكثر من موضع في كتابه العزيز، وهذه المقالة تسلّط الضوء على مكانة الأشهر الحرم وخصائصها من خلال القرآن الكريم.
إنّ من تمام تعظيم الله تعالى تعظيم ما عظّم سبحانه من الشعائر والعبادات، وتعظيم ما عظّم من الأماكن والأزمان والشهور والأيام، ومن ذلك تعظيم الأشهر الحرام التي عظّمها الله سبحانه، وذكرها في أكثر من موضعٍ من كتابه العزيز، وبين يدي هذه الأسطر نُعرِّف بهذه الأشهر، ونذكر شيئًا من مكانتها وخصائصها في القرآن الكريم.
مدخل:
إنّ الأشهر الحرم هي الأشهر الأربعة التي عظّمها اللهُ سبحانه، وأجمل القرآن الكريم ذكرها في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: 36].
وهذه الأشهر هي: شهر رجب، وذي القعدة، وذي الحجة، وشهر الله المحرم، كما فصّلتها السنّة النبوية وبيّنتها، ففي حديث أبي بكرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- خطب في حجَّة الوداع، فقال في خطبته: (إنَّ الزمانَ قد استدارَ كهَيئتِه يوم خلَق اللهُ السماواتِ والأرضَ؛ السنَة اثنا عشر شهرًا، منها أربعةٌ حُرُم، ثلاثة متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرَّم، ورجب مُضر الذي بين جمادى وشعبان)[1].
ولقد اجتهد العلماء في التماس الحكمة من تعظيم هذه الأشهر هذا التعظيم، والسِّر في ترتيبها على هذا الترتيب؛ فقد قال الإمام ابن كثير -رحمه الله-: «وإنما كانت الأشهر المحرمة أربعة، ثلاثة سرد وواحد فرد؛ لأجل مناسك الحج والعمرة، فحرم قبل أشهر الحج شهرًا وهو ذو القعدة؛ لأنهم يقعدون فيه عن القتال، وحرم شهر ذي الحجة لأنهم يوقعون فيه الحج ويشتغلون فيه بأداء المناسك، وحرم بعده شهر آخر وهو المحرم ليرجعوا فيه إلى أقصى بلادهم آمنين، وحرم رجب في وسط الحول لأجل زيارة البيت والاعتمار به لمن يقدم إليه من أقصى جزيرة العرب، فيزوره ثم يعود إلى وطنه فيه آمنًا»[2].
ويذكر الإمام ابن عاشور أن تحريم هذه الأشهر كان مما شرعه الله لعباده من لدن إبراهيم -عليه السلام-؛ وذلك لإقامة الحج، فيقول -رحمه الله-: «وتحريم هذه الأشهر الأربعة مما شرعه الله لإبراهيم -عليه السلام- لمصلحة الناس، وإقامة الحج، كما قال تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ والشَّهْرَ الحَرَامَ﴾ [المائدة: 97]»[3].
مكانة الأشهر الحرم:
إنّ للأشهر الحرم مكانة عظيمة عند الله سبحانه، وهي من أحبّ الأيام إليه سبحانه؛ لذلك اختارها وشرّفها على غيرها، يقول سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن كعب قال: «اختار الله الزمان، وأحبّ الزمان إلى الله الأشهر الحرم، وأحبّ الأشهر الحرم إلى الله ذو الحجة، وأحبّ ذي الحجة إلى الله العشر الأُوَل»[4].
وتعظيم هذه الأشهر من تعظيم شعائر الله ودليل على تقواه -عز وجل-، فقد قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: 30].
ويقول قتادة -رحمه الله-: «إنّ الله اصطفى صَفَايا من خَلقه، اصطفى من الملائكة رسلًا، ومن الناس رسلًا، واصطفى من الكلام ذِكْرَه، واصطفى من الأرض المساجد، واصطفى من الشهور رمضان والأشهر الحرم، واصطفى من الأيام يوم الجمعة، واصطفى من الليالي ليلة القدر، فَعَظِّموا ما عَظّم الله؛ فإنما تُعَظَّم الأمور بما عظّمها الله به عند أهل الفهم وأهل العقل»[5].
ولقد كان العرب في الجاهلية يعظّمون هذه الأشهر ويحرّمون القتال فيها، حتى إنّ الرجل منهم كان إذا لقي قاتل أبيه في هذه الأشهر لم يتعرض له بأذى؛ نظرًا لحرمة هذه الأشهر وتعظيمها ومكانتها عندهم، يقول ابن كثير -رحمه الله-: «كان الرجلُ يلقَى قاتلَ أبيه في الأشهُر الحرم فلا يمُدُّ إليه يدَه»[6].
بل وكانوا يقدّمون بعضها ويؤخّرون بعضها إذا أرادوا قتالًا أو إغارةً على غيرهم، فيحلّونها عامًا ويحرّمونها عامًا؛ لعدم رغبتهم في سفك الدماء فيها، ظنًّا منهم أنَّهم بهذه الحيلة -التي أوحتْ بها إليهم شياطينهم- قد تحلّلوا من القتال في الأشهر الحرم، ولكنهم غفلوا أو تغافلوا عن أنهم بهذه الفعلة قد أحلُّوا ما حرّم الله سبحانه، وحرّموا ما أحلَّ سبحانه.
ولقد ذَمّ اللهُ سبحانه فعلتهم هذه، فقال في كتابه العزيز: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: 37].
يقول ابن عاشور -رحمه الله- في تفسير هذه الآية: «والنسيء عند العرب: تأخير يجعلونه لشهرٍ حرامٍ فيصيرونه حلالًا، ويحرمون شهرًا آخر من الأشهر الحلال عوضًا عنه في عامِه»[7].
فما أقبح فعلتهم هذه، وما أشدّ جرمهم؛ لذلك ينبغي على المؤمن أن يقف عند حدود الله سبحانه، وأن يطيع أوامر الله، وأن يحذر كلّ الحذر من أن يتبع هواه، أو أن يتحايل على أوامر الله سبحانه وشرائعه وأحكامه، كما فعل هؤلاء الجاهليون.
«ولقد اختلف العلماء في أيِّ الأشهر الحرم أفضل؛ فقال الحسن وغيره: أفضلها شهر الله المحرم، ورجّحه طائفة من المتأخرين، وروى وهب بن جرير عن قرة بن خالد عن الحسن قال: إنّ الله افتتح السنَة بشهرٍ حرامٍ، وختمها بشهرٍ حرامٍ، فليس شهرٌ في السّنَة بعد شهر رمضان أعظم عند الله من المحرّم، وكان يسمَّى شهر الله الأصم من شدّة تحريمه»[8].
من خصائص الأشهر الحرم:
1- الظُّلْم في هذه الأشهر أعظم من غيرها:
فالله -عز وجل- نهى عباده عن الظُّلْم، ولا سيما ظُلم النفس الذي يكون بالتعدي على حرمات الله أو ترك أوامره، أو يكون بالتعدي على حقوق عباده سبحانه، وهو محرمٌ في كلِّ زمانٍ وفي كلِّ مكانٍ، لكن الظلم قد يغلظ ويعظم في بعض الأزمنة أكثر من غيرها كالأشهر الحرم، يغلظ ويعظم في بعض الأماكن أكثر من غيرها كمكة والمدينة؛ من أجل ذلك نهى الله سبحانه عن ظلم النفس وخصّ بالذِّكْر هذه الأشهر الحرم، فقال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: 36].
يقول الإمام القرطبي -رحمه الله- في تفسير هذه الآية: «لا تظلموا فيهن أنفسكم بارتكاب الذنوب؛ لأن الله سبحانه إذا عظّم شيئًا من جهة واحدة صارت له حرمة واحدة، وإذا عظّمه من جهتين أو جهات صارت حرمته متعدّدة فيضاعف فيه العقاب بالعمل السيّئ كما يضاعف الثواب بالعمل الصالح، فإنّ مَن أطاع الله في الشهر الحرام في البلد الحرام ليس ثوابه ثواب مَن أطاعه في الشهر الحلال في البلد الحرام، ومن أطاعه في الشهر الحلال في البلد الحرام ليس ثوابه ثواب من أطاعه في شهر حلال في بلد حلال»[9].
ويقول الإمام ابن عاشور -رحمه الله- في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾: «ووجه تخصيص المعاصي في هذه الأشهر بالنهي: أن الله جعلها مواقيت للعبادة، فإن لم يكن أحد متلبسًا بالعبادة فيها فليكن غير متلبس بالمعاصي، وليس النهي عن المعاصي فيها بمقتضٍ أن المعاصي في غير هذه الأشهر ليست منهيًّا عنها، بل المراد أن المعصية فيها أعظم، وأن العمل الصالح فيها أكثر أجرًا، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 197]، فإن الفسوق منهيّ عنه في الحج وفي غيره»[10].
ويؤكد الإمام قتادة -رحمه الله- على هذه المعنى فيقول: «العمل الصالح أعظم أجرًا في الأشهر الحرم، والظلم فيهنَّ أعظم من الظلم فيما سواهن، وإن كان الظُّلم على كلّ حال عظيمًا»[11].
2- يحرم البدء بالقتال في هذه الأشهر:
فقد عظّم اللهُ سبحانه سفك الدماء، وجعل سافك الدماء مرتكبًا لكبيرة من أعظم الكبائر، وفي الأشهر الحرم تتضاعف تلك الجريمة وتعظم عند الله سبحانه، فقد قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ﴾ [البقرة: 217]؛ وذلك لأن هذه الأشهر أشهر سلمٍ وسلامٍ، وأمنٍ وأمانٍ، يأمن الناس فيها على أموالهم وأعراضهم ودمائهم، فيأمنون في أشهر الحج لأداء فريضة الحج، ويأمنون في شهر رجب لأداء العمرة كما كانت عادة العرب؛ لذلك عظّم الله في هذه الأشهر سفك الدماء.
فلا ينبغي للمسلم أن يبدأ فيها القتال والإغارة على الأعداء، ولكن يشرع له ردّ القتال والاعتداء إذا وقع عليه في هذه الأشهر، والدفاع عن النفس والمال والعِرض إذا استدعى الأمر ذلك، ودليل ذلك أنَّ الله سبحانه قال في سياق الحديث عن الأشهر الحرم: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194]، وقال سبحانه: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: 36].
ولقد وقع خلافٌ حول مسألة حرمة القتال في الأشهر الحرم، وانقسم الفقهاء والمفسِّرون إلى فريقين: حيث ذهب الفريق الأول إلى نَسْخ ذلك الحكم، وذهب الفريق الآخر إلى عدم نَسْخه. وقد استدلّ القائلون بالنَّسْخ على قولهم ببعض الأدلة، ومنها ما وقع من قتال بين النبي -صلى الله عليه وسلم- وهوازن في شهر ذي القعدة، لكن عند الوقوف على سبب ذلك القتال نعلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يبدأ بالقتال، وإنما هوازن هم الذين قد ابتدؤوا المسلمين بالقتال.
يقول الإمام ابن عاشور -رحمه الله-: «لا يُشكل الأمر بمقاتلة الرسول -عليه الصلاة والسلام- هوازن أيامًا من ذي القعدة؛ لأنهم ابتدؤوا بقتال المسلمين قبل دخول الأشهر الحرم، فاستمرّت الحرب إلى أن دخلوا في شهر ذي القعدة، وما كان ليكفّ القتال عند مشارفة هزيمة المشركين وهم بدؤوهم أول مرة»[12].
وقال عطاء بن أبي رباح في قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾: «يحرم الغزو في الأشهر الحرم إلا أن يبدأ العدو فيها بالقتال، ولا نَسْخ في الآية»[13].
واستدلّ القائلون بعدم النَّسْخ بما رواه الإمام أحمد من حديث جابر -رضي الله عنه- قال: «لم يكن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يغزو في الشهر الحرام إلا أن يُغزى، أو يُغْزَوْا، فإذا حضره أقام حتى ينسلخ»[14]، وذكر بعضهم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- حاصر الطائف في شوال فلما دخل ذو القعدة لم يقاتل بل صابرهم ثم رجع، وكذلك في عمرة الحديبية لم يقاتل حتى بلغه أن عثمان قُتل، فبايع على القتال ثم لمّا بلَغه أن ذلك لا حقيقة له كفّ[15].
3- اتصال هذه الأشهر بمواسم العبادات:
فمن خصائص هذه الأشهر ومن أسباب تعظيمها، قُربها واتصالها بمواسم العبادات؛ فشهر رجب من أشهُر الاستعداد لرمضان، فقد قال ابن رجب: «شهر رجب مفتاح أشهر الخير والبركة»[16]، ونقل عن أبي بكر الوراق البلخي قوله: «شهر رجب شهر للزرع، وشعبان شهر السقي للزرع، ورمضان شهر حصاد الزرع»[17]؛ ولأن شهر رجب يكون وسط العام يكثر الناس فيه من أداء العمرة، ولعلّ هذه هي الحكمة من تحريمه، كما ذكرنا.
أمّا شهر ذي القعدة وذي الحجة والمحرّم فهي أشهر الحج التي يقوم فيها المسلمون بشعيرة من أعظم شعائر الإسلام ألا وهي فريضة الحج، كما قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197].
وفي هذه الأشهر تكون الأيام العشر التي أقسم الله بها، في قوله تعالى: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: 2]، وقال مسروق: هي أفضل أيام السنَة[18].
وفيها يوم عرفة وما أدراك ما يوم عرفة، أعظم أيام العام على الإطلاق، وفيها يعود الحجيج إلى بلادهم مستبشرين بالمغفرة والقبول.
ولقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يرشد أصحابه إلى صيام هذه الأشهر لعظم شأن الطاعات فيها ولا سيما شهر الله المحرم، فقد قال -صلى الله عليه وسلم- للباهلي في الحديث الذي رواه أبو داود في سننه: (صُمْ مِنَ الحُرُم وَاترُكْ، صُمْ مِنَ الحُرُمِ وَاترُكْ، صُمْ مِنَ الحُرُمِ وَاترُكْ)[19].
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ، وأفضلُ الصلاةِ بعد الفريضةِ صلاةُ الليل)[20].
لذلك كان كثير من السَّلف يحرص على صيام الأشهر الحرم، بل ورد عن بعضهم أنه كان يصوم الأشهر الحرم كلها، منهم: ابن عمر، والحسن البصري، وأبو إسحاق السبيعي، وقال الثوري: الأشهر الحرم أحبّ إليَّ أن أصوم فيها[21].
خاتمة:
عالجنا في هذه المقالة موضوع الأشهر الحرم فعرفنا بها وتعرضنا لمكانتها وبيان خصائصها، وينبغي على المسلم مراعاة حُرمة هذه الأشهر التي عظّمها الله سبحانه وأن يعرف قدرها، وأن يحرص كلّ الحرص على حُسْن استغلال هذه الأوقات الشريفة، لا سيما في هذا الزمان الذي غفل كثيرٌ من الناس فيه عن حُرمة هذه الأشهر ومكانتها، فأعظم العبادات ما قام بها العبد وقت غفلة الناس وانشغالهم، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (العبادة في الهرج كهجرة إليَّ)[22].
نسأل اللهَ سبحانه أن يجعلنا من المعظِّمين لهذه الأشهر، وأن يعيننا فيها على ذِكْره وشُكره وحُسن عبادته، ونعوذ به سبحانه أن نكون فيها من الغافلين، وصلى اللهُ وسلم على نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
-------------------------------------------------------
[1] رواه البخاري (4406)، ومسلم (1679).
[2] تفسير ابن كثير (4/ 148).
[3] التحرير والتنوير (10/ 184).
[4] لطائف المعارف لابن رجب، ص267.
[5] تفسير ابن كثير (4/ 148).
[6] تفسير ابن كثير (1/ 413).
[7] التحرير والتنوير (10/ 189).
[8] لطائف المعارف لابن رجب، ص34.
[9] تفسير القرطبي (8/ 134).
[10] التحرير والتنوير (10/ 186).
[11] تفسير البغوي (2/ 345).
[12] التحرير والتنوير (10/ 186).
[13] التحرير والتنوير (10/ 186).
[14] رواه أحمد (14583).
[15] لطائف المعارف لابن رجب، ص116.
[16] لطائف المعارف لابن رجب، ص121.
[17] لطائف المعارف لابن رجب، ص121.
[18] لطائف المعارف لابن رجب، ص267.
[19] رواه أبو داود (2428).
[20] رواه مسلم (1163).
[21] لطائف المعارف لابن رجب، ص119.
[22] رواه مسلم (2948).
المصدر: مركز تفسير للدراسات القرآنية
بدع في شهر رجب
تخصيص رجب بصلاة الرغائب أو الاحتفال بليلة (27) منه يزعمون أنها ليلة الإسراء والمعراج كل ذلك بدعة لا يجوز، وليس له أصل في الشرع، وقد نبه على ذلك المحققون من أهل العلم، وقد كتبنا في ذلك غير مرة وأوضحنا للناس أن صلاة الرغائب بدعة، وهي ما يفعله بعض الناس في أول ليلة جمعة من رجب، وهكذا الاحتفال بليلة (27) اعتقادا أنها ليلة الإسراء والمعراج، كل ذلك بدعة لا أصل له في الشرع، وليلة الإسراء والمعراج لم تعلم عينها، ولو علمت لم يجز الاحتفال بها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحتفل بها، وهكذا خلفاؤه الراشدون وبقية أصحابه رضي الله عنهم، ولو كان ذلك سنة لسبقونا إليها. والخير كله في اتباعهم والسير على منهاجهم كما قال الله عز وجل: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) متفق على صحته، وقال عليه الصلاة والسلام: ((من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)) أخرجه مسلم في صحيحه ومعنى فهو رد أي مردود على صاحبه، وكان صلى الله عليه وسلم يقول في خطبه: ((أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة)) أخرجه مسلم أيضا. فالواجب على جميع المسلمين اتباع السنة والاستقامة عليها والتواصي بها والحذر من البدع كلها عملا بقول الله عز وجل: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وقوله سبحانه: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خَسِرَ * إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((الدين النصيحة))، قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: ((لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)) أخرجه مسلم في صحيحه. أما العمرة فلا بأس بها في رجب لما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر في رجب وكان السلف يعتمرون في رجب، كما ذكر ذلك الحافظ ابن رجب رحمه الله في كتابه: (اللطائف) عن عمر وابنه وعائشة رضي الله عنهم ونقل عن ابن سيرين أن السلف كانوا يفعلون ذلك. والله ولي التوفيق.
نشرت في ( مجلة الدعوة ) العدد رقم ( 1566 ) في جمادى الآخرة 1417 هـ - مجموع فتاوى و مقالات متنوعة الجزء الحادي عشر
المفتى أو المستشار:
فضيلة الشيخ :-عبدالعزيز بن باز
هل لشهر رجب مزية على غيره ؟
شهر رجب هو أحد الأشهر الأربعة الحرم ، والأشهر الأربعة الحرم هي : ذو القعدة ، وذو الحجة ، ومحرم ، ورجب ، كما قال تعالى : ( إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كآفة كما يقاتلونكم كآفة واعلموا أن الله مع المتقين ) .
وقد ورد في هذا الشهر صلوات وأذكار لكنها ضعيفة لا تثبت بها حجة ، ولا تثبت بها سنة وإذا ثبت ذلك فإنه لا يجوز للإنسان أن يقول : هذا شهر محرم سأزيد فيه من صلاتي وسأزيد فيه من ذكري ، وأزيد فيه من صيامي أو ما أشبه ذلك .
لماذا لا يجوز ؟ لأن النبي صلى الله عليه على آله وسلم أدرك هذا الشهر .أليس كذلك ؟ هل زاد فيه على غيره ؟ لا .
إذا لم يزد فيه على غيره فليس من حقنا أن نقول إنه شهر محرم نزيد فيه على غيره ؛ لأننا نحن متبعون ولسنا مبتدعين . ولو أن إنسانا اتبع – فيما يتقرب فيه إلى الله – اتبع ذوقـه أو اتبع رأيه لأصبح بلا دين ، لأنه إنما يتبع هواه لقوله تعالى : (ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين ) .
إذا علينا أن لا نخص شهر رجب إلا بما خصـه الله به ورسوله ، أنه شهر محرم يتأكد فيه اجتناب المحرمات ، وأنه لا يحل فيه القتال مع الكفار ، فإنه شهر محرم ، والأشهر الحرم لا قتال فيها إلا إذا بدؤونا بالقتال ، أو كان ذلك سلسلة قتالية امتدت إلى الشهر المحرم .
الشيخ محمد بن صالح العثيمين