المجلس الثاني عشر من مجالس شَهر رمضان (في النوع الثاني من تلاوة القرآن)

قال فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله وغفر له:-

سبق في المَجْلِس الخامسِ أنَّ تِلاوةَ القرآنِ على نوعيْن:-

النوع الأول: تلاوةِ لفظِهِ وهي قراءته وتقدَّم الكلامُ عليها ، والنوعُ الثاني تلاوةُ حُكمِه بتصديقِ أخبارِهِ واتَّباعِ أحكامِهِ، فعْلاً للمأموراتِ وتركاً للْمنهِيَّات. ، وهذا النَّوعُ هو الغايةُ الْكُبرَى من إنزال القرآن .

ولهذا دَرَجَ السلف الصالحُ -رضي الله عنهم-على ذلك يتعلَّمون القرآن، ويصدِّقون بِهِ، ويُطبقون أحْكامَه تطبيق إيْجاب، وهذا النوعُ من التلاوة هو الَّذِي عليه مَدار السعادةِ والشقاوةِ،

عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أن النبي -صلى الله عليه وسلّم- قال: «القرآنُ حُجَّةٌ لك أو عليك». وقال ابن مسعودٍ -رضي الله عنه-: القرآنُ شافعٌ مُشفَّعٌ فمَن جَعلَه أمَامَهُ قادهُ إلى الجنةِ ،ومن جعله خلفَ ظهرهِ ساقَه إلى النار .

عبادَ الله: هذا كتابُ الله يُتْلى بَيْن أيْديكم ويُسْمَع،وهو القرآنُ الَّذي لو أُنزِلَ على جبلٍ لَرأيْتَه خاشِعاً يَتَصَدَّع، ومع هذا فلا أُذُنٌ تسمع، ولا عينٌ تدْمع، ولا قلبٌ يخشع، ولا امتثالٌ للقرآنِ فيُرجَى به أنْ يَشْفع، قلوبٌ خَلتْ من التَّقْوى فهي خَرَابٌ بَلْقَع، وتَرَاكمتْ عليها ظُلْمةُ الذنوب فهي لا تُبْصِرُ ولا تَسْمع، كم تُتْلى علينا آيَاتُ القرآنِ وقُلوبُنا كالحجارةِ أو أشد قَسْوة، وكم يتوالى علينا شهرُ رمضانَ وحالُنا فيه كحالِ أهلِ الشَّقْوة، لا الشَّابُّ منا يَنِتَهي عن الصَّبوة، ولا الشيخُ ينْتَهي عن القبيح فيَلْحقُ بأهلِ الصَّفوَة، أينَ نحنَ من قومٍ إذا سمِعُوا داعيَ الله أجابُوا الدَّعْوة، وإذا تُليتَ عليهم آياتُه وَجلَتْ قُلوبُهم وجَلتْهَا جَلْوَة، أولئك قومٌ أنْعَمَ الله علَيْهم فعرفُوا حقَّه فاختارُوا الصَّفوة.

إخواني: احفَظُوا القرآنَ قبلَ فواتِ الإِمكان، وحافِظُوا على حدودِهِ من التَّفْرِيطِ والعِصْيان. واعْلَمُوا أنَّه شاهدٌ لكم أوْ عليكم عند المَلِكِ الدَّيَّان، ليس مَنْ شُكْر نعمةِ الله بإِنْزَالِهِ أنْ نَتَّخِذَه وراءَنا ظِهْريَّاً، وليس مِنْ تعظيمِ حرمات الله أنْ تتخذَ أحكامَه سِخْرياً.

 

المصدر:
كتاب:مجالس شَهر رمضان.

 

 

المجلس الحادي عشر من مجالس شَهر رمضان (آداب الصيام المُستحبّة)

قال فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله وغفر له:-

القسمُ الثّاني من آداب الصيام المُستحبّة ومنها :السُّحُورُ وهو الأكلُ في آخِرِ الليل سُمِّي بذلكَ لأنَّه يقعُ في السَّحَرِ فقد أمَرَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلّم- به فقال: «تَسحَّروا فإن في السحوَر بركة» ويَنْبَغِي للمتسحر أنْ ينْويَ بِسُحُوره امتثالَ أمر النبي -صلى الله عليه وسلّم-، والاقْتداءَ بفعلِهِ، ليكونَ سُحُورُه عبادةً، وأنْ ينويَ به التَّقَوِّيَ على الصيام ليكونَ له به أجرٌ. والسُّنَّةُ تأخيرُ السُّحورِ ما لَمْ يخْشَ طلوعَ الْفَجْرِ ،وتأخيرُ السُّحور أرفْقُ بالصائِم وأسْلَمُ من النومِ عن صلاةِ الفجرِ.

ومن آداب الصيام المستحبةِ: تعجيلُ الفُطور ،والسنَّة أنْ يفطِرَ على رُطَبٍ، فإن عُدِم فتمْر، فإنْ عُدِم فَمَاء، وينبغي أن يدعُوَ عند فِطرِه بما أحَبَّ، فعن النبيِّ -صلى الله عليه وسلّم- أنَّه قال: «إنَّ للصائِمِ عند فطْرِه دعوةً ما تُرَدُّ».

ومن آدابِ الصيامِ المستحبةِ: كثرةُ القراءةِ والذكرِ والدعاءِ والصلاةِ والصدقة.

ومن آداب الصيام المستحبةِ: أنْ يَسْتحضِرَ الصائمُ قدْرَ نعْمة الله عليه بالصيام حيثُ وفَّقَه له ويَسَّره عليه حتى أتمَّ يومَه وأكْملَ شَهْره، فإنَّ كثيراً من الناسِ حُرمُوا الصيامَ إمَّا بموتِهِم قبل بلوغِهِ أو بعجْزهم عنه أو بضلالهم وإعْرَاضِهِم عن القيام به،.

 

المصدر:
كتاب:مجالس شَهر رمضان.

 

 

المجلس العاشر من مجالس شَهر رمضان (في آداب الصّيام الواجبة)

قال فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله وغفر له:-

اعْلَمُوا أنَّ للصيام آداباً كثيرةً لا يتمُّ إِلاّ بها ولا يكْمُلُ إِلاَّ بالقيامِ بها وهي على قِسمَين: آدابٌ واجبةٌ:لا بُدَّ للصائم من مُراعاتِها والمحافظةِ عليها

وآداب مستحبةٌ: ينبغي أن يُراعيها ويحافظَ عليها.

منَ الآداب الواجبةِ أنْ يقومَ الصائمُ بما أوجبَ الله عليه من العباداتِ القوْليَّةِ والفعليَّةِ ومن أهمِّها الصلاةُ والقيامِ بأرْكانِها وواجباتِها وشروطِها، فيؤديها في وقْتِها مع الجماعةِ في المساجِدِ، فإنَّ ذَلِكَ من التَّقْوى التي مِنْ أجْلها شُرعَ الصيامُ وفُرِضَ على الأمة، وإضاعةُ الصلاة مُنافٍ للتَّقْوى وموجبٌ للعقوبةِ.

ومِنَ الصائمين مَنْ يتهاونُ بصلاة الجماعةِ مع وُجوبها عليه ،وبتركِ الجماعةِ يَعرِّضُ نفْسَه للعقوبةِ ومشابهةِ المنافقينَ، ومن الصائمين مَنْ يتجاوزُ بالأمر فينامُ عن الصلاةِ في وقتِها، وهذا منْ أعظمِ المنكرات وأشدِّ الإِضاعَةِ للصلواتِ حتى قال كثيرٌ من العلماءِ: إن مَنْ أخَّرَ الصلاةَ عن وقتِها بدونِ عذْرٍ شرعيٍّ لَمْ تقبلْ وإن صلى مئة مرة.

ومن الآداب الواجبةِ: أن يجتِنبَ الصائمُ جميعَ ما حَرَّمَ الله ورسولُه مِنَ الأقوال والأفَعالِ، فيجت، ويجتنبَ الكذبَ وهو الإِخبار بخلاف الواقع ،ويجتنبُ الغِيْبَةَ،سواءٌ كان فيه ما تقُولُ أمْ لم يكُنْ يجتنبُ النَّمِيْمَةَ وهي نقْلُ كلامِ شخصٍ في شخصٍ إليهِ ليُفْسدَ بَينهما، وهي من كبائِر الذنوبِ، قال فيها رسولُ الله -صلى الله عليه وسلّم-: «لا يدخلُ الجَنَّةَ نَمَّام»،

ويجتنبُ الْغِشَّ في جميع المعاملاتِ من بيعٍ وإجارةٍ وصناعةٍ ورهنٍ وغيرها، وفي جميع المناصحاتِ والمشوراتِ فإنَّ الغشَّ من كبائِر الذنوبِ.

فاحذورا أيها المسلَمونَ نواقضَ الصومِ ونواقِصَهُ، وصُونُوه عن قول الزُّورِ والعملِ به. قال النبي صلى الله عليه وسلّم: «من لم يَدَعْ قولَ الزور والعملَ به والجهلَ فليس لله حاجةٌ في أنْ يَدَع طعامَهَ وشرابَه».

 

المصدر:
كتاب:مجالس شَهر رمضان.

 

 

المجلس التاسع من مجالس شَهر رمضان (في حِكَم الصيام)

قال فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله وغفر له:-

إنَّ للصيامِ حِكَماً كثيرةً استوجبتْ أنْ يكونَ فريضةً من فرائِض الإِسلامِ وركناً منْ أركانِه.

فمنْ حِكَمِ الصيام أنَّه عبادةٌ لله تعالى يَتَقَرَّبُ العبدُ فيها إلى ربِّه بتْركِ محبوباتِه ومُشْتَهَياتِه منْ طعام وشرابٍ ونِكاح، فيظْهرُ بذلك صدقُ إيْمانِه وكمالُ عبوديتِه لله وقوةُ مَحَبَّته له ورجائِه ما عنده.

ومنْ حِكَمِ الصيام أنه سببٌ للتَّقْوى، وإذا كان الصائمُ متلبساً بالصيامِ فإنَّه كلَّما همَّ بمعصيةٍ تَذكَّر أنَّه صائمٌ فامتَنعَ عنها.

ولهذا أمرَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلّم- الصائمَ أنْ يقولَ لمَنْ سابَّه أو شاتَمَه: إنِي امْرؤٌ صائمٌ، تَنْبيهاً له على أنَّ الصائمَ مأمورٌ بالإِمساك عن السَّبِّ والشَّتْمِ، وتذكيراً لنفْسِه بأنه متلبسٌ بالصيام فيمتنعُ عن المُقابَلةِ بالسبِّ والشتم.

ومن حِكَم الصيامِ أن القلب يتخلَّى للفِكْرِ والذِّكْرِ، لأنَّ تَناوُلَ الشهواتِ يستوجبُ الْغَفْلَةَ ورُبَّما يُقَسِّى القلبَ ويُعْمى عن الحقِّ.

ومنْ حِكَمِ الصيامِ أنَّ الغنيَّ يَعرفُ به قدْرَ نعمةِ الله عليه بالغِنَى حيثُ أنعمَ الله تعالى عليه بالطعامِ والشرابِ والنكاح وقد حُرِمَهَا كثيرٌ من الْخلْق فَيَحْمَد الله ،ويذكرُ بذلك أخَاه الفقيرَ الذي ربَّما يبيتُ طاوياً جائِعاً فيجودُ عليه بالصَّدَقةِ.

ومن حِكَمِ الصيامِ التَّمرُّنُ على ضَبْطِ النَّفْسِ، والسَّيْطرةُ عليها، والْقوَّةُ على الإِمساكِ بزِمَامِهَا حتى يتمكنَ من التحكم فيها ويقودَها إلى ما فيه خيرُها وسعادتها.

ومن حِكَمِ الصيامِ أنَّ مجارِيَ الدَّم تضيقُ بسببِ الجوع والعطشِ فتضيقُ مَجارِي الشيطانِ من الْبَدنِ فإنَّ الشيطانَ يَجْري مِن ابن آدَمَ مجْرَى الدم، كما ثبت ذلك .

 

المصدر:
كتاب:مجالس شَهر رمضان.

 

 

المجلس الثَامن من مجالس شَهر رمضان (في بقيّةِ أقسام الناس في الصيّام وأحكام القضاء)

قال فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله وغفر له:-

القسمُ الثامنُ:الحائضُ فيحرمُ عليها الصيامُ ولا يصحُّ منها، وإذا ظَهَرَ الحيضُ منها وهي صائمةٌ ولو قبلَ الغروبِ بلحْظَةٍ بَطلَ صومُ يومِها ولزِمَها قضاؤه إلاَّ أنْ يكون صومُها تطوُّعاً فقضاؤه تطوُّعٌ لا واجبٌ.

القسمُ التاسعُ:المرأة إذا كانت مُرضعاً أو حاملاً وخافتْ على نفسِها أو على الولَد من الصَّوم فإنها تفطرُ .

القسمُ العاشرُ:مَن احتاج للْفطرِ لِدفْعِ ضرورةِ غيرهِ كإِنقاذ معصومٍ مِنْ غرقٍ أوْ حريقٍ أو هدْمٍ أوْ نحو ذلك فإذا كان لا يُمكنه إِنقَاذُه إلاَّ بالتَّقَوِّي عليه بالأكْل والشُّرب جاز له الفِطرُ، بل وَجبَ الفطرُ حِيْنئذٍ لأن إنقاذ المعصوم من الْهَلكَةِ واجبٌ، وما لا يَتمُّ الواجبُ إلاَّ به فهو واجبُ، ويلزمُه قضاءُ ما أفْطَرَه.

ولا يجوزُ تأخيرُ القضاءِ إلى رمضانَ الثاني بدونِ عذرٍ لقولِ عائشة -رضي الله عنها-: «كان يكونُ عليَّ الصومُ من رمضانَ فما أسْتطيع أنْ أقضيه إلاَّ في شعبانَ»، ، ولأنَّ تأخيره إلى رمضانَ الثاني يُوْجبُ أنْ يتراكم عليه الصومُ وربَّمَا يعجزُ عنه أوْ يموتُ، ولأن الصومَ عبادةٌ متكرِّرةٌ فَلْم يَجُز تأخيرُ الأولَى إلى وقتِ الثانيةِ كالصلاةِ، فإن استَمرَّ به العذرُ حَتَّى ماتَ فلا شَيْءَ عليه لأن الله سبحانه أوجَبَ عليه عدَّةً من أيامٍ أُخَرَ ولم يتمكنْ منْها فسقطت عنه ، فإن تمكَّن من القضاءِ فَفَرَّط فيه حتى مات صام وليُّهُ عنه جميعَ الأيامِ التي تمكَّنَ من قضائِها.

ويجوز أنْ يصومَ عنه جماعةٌ بعددِ الأيامِ التي عليه في يوم واحدٍ، قال البخاري: قال الحسنُ: إن صامَ عنه ثلاثَونَ رجلاً يوماً واحداً جاز. فإن لم يكن له وليٌّ أو كان له وليٌّ لا يريدُ الصومَ عنه أُطعمَ مِنْ تركتِه عن كلِّ يومٍ مسكينا بعددِ الأيام التي تمكَّنَ من قضائِها.

 

المصدر:
كتاب:مجالس شَهر رمضان.

 

 

المَجلس السابع من مجالس شَهر رمضان ( طائفة من أقسام النّاس في الصيام )

قال فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله وغفر له:-

قدَّمنا الكلامَ عن خْمسَةِ أقسامٍ من الناس في أحْكامِ الصيام ، ونُكمل بحول الله.

القسمُ السادسُ:المسافرُ إذا لم يقْصُدْ بسَفَرِه التَّحيُّلَ على الفِطْرِ، فإن قَصَد ذَلِكَ فالفطرُ عليه حرامٌ والصيامُ واجبٌ عليه حْينئذٍ،فإذا لَمْ يقصد التَّحيُّلَ فهو مخيَّرٌ بين الصيام والفطر سواءٌ طالتْ مدةُ سفره أمْ قصُرتْ.

والأفضل للمسافر فعلُ الأسهلِ عليه من الصيام والْفِطرِ، فإنْ تساويَا فالصَّومُ أفضلُ لأنَه أسْرعُ في إبراء ذمته وأنشط له إذا صامَ معَ الناسِ.

وإذا كان المسافرُ يَشُقُّ عليه الصومُ فإنَّه يفطرُ ولا يصُومُ في السفرِ، ففي حديثِ جابرٍ السابق أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلّم- لمَّا أفْطرَ حينَ شَقَّ الصومُ على الناس قيل له: إنَّ بعض الناسِ قد صَامَ، فقالَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلّم-: «أولَئِك العُصاةُ، أولئك العصاة»

القسمُ السَّابعُ:المِريضُ الَّذِي يُرجَى برؤُ مرضِه وله ثلاثُ حالاتٍ:

إحداها: أنْ لا يشقَّ عليْه الصومُ ولا يَضُرُّه، فيجبُ عليه الصومُ لأنه ليس له عُذْرٌ يُبِيح الْفِطْرَ.

الثانيةُ: أنْ يشقَّ عليْه الصومُ ولا يضُرُّه، فيفطرُ لقوله تعالى: {وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} ويُكْره له الصوم مع المشقَّةِ، لأنه خروجٌ عن رُخصةِ الله تعالى وتعْذيبٌ لنفسه،الثالثةُ: أنْ يضُرَّه الصومُ فيجبُ عليه الْفطرُ ولا يجوزُ له الصومُ.

 

المصدر:
كتاب:مجالس شَهر رمضان.

 

 

المجلس السّادس من مجالس شَهر رمضان (أقسام النّاس في الصيام )

قال فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله وغفر له:-

استقرتْ أحْكامُ الصيامِ فكان الناسُ فيها أقساماً عَشرَةً:

الأوَّلُ:المُسلِمُ البالغُ العاقلُ المقيمُ القادر السالمُ من الموانعِ، فيجبُ عليه صومُ رمضانَ أدَاءً في وقتِه.

الثاني:الصغيرُ فلا يجب عليه الصيامُ حتى يبلُغَ ، لكن يأمُرُه وليُّه بالصومِ إِذَا أطاقه تمريناً لَهُ على الطاعة ليألفَهَا بعْدَ بلوغِهِ اقتداءً بالسلفِ الصالح.

الثالثُ:المجنونُ وهو فاقِدُ العقلِ فلا يجبُ عليه الصيامُ.

الرابعُ:الْهَرِمُ الَّذِي بلَغَ الهذَيَان وسقَط تَميِيزُه ،فلا يجبُ عليه الصيامُ ولا الإِطعام عنه لسُقوطِ التكليف عنه بزَوال تمييزهِ فأشْبهَ الصَّبيَّ قبل التمييزِ،فإن كان يُميّز أحياناً ويهذي أحياناً وجبَ عليه الصوم في حال تمييزه دونَ حالِ هذَيانِه.

الخامسُ:العاجزُ عن الصّيام عجْزاً مستَمِراً لا يُرجَى زوالُه، كالكبيرِ والمريضُ مرضاً لا يُرْجى برؤه كصاحبِ السَّرطانِ ونحوِه، فلا يجبُ عليه الصيامُ لأنَّه لا يستطيعُه.

لكن يجبُ عليه أن يُطعمَ بدلَ الصيامِ عنْ كلِّ يومٍ مسكيناً ، لأنَّ الله جَعَل الإِطعامَ مُعَادلاً للصيامِ حينَ كان التخييرُ بينهُما ، فتعيَّن أنْ يكون بدلاً عن الصيامِ عند العَجزِ عنه لأنه معادله.

 

المصدر:
كتاب:مجالس شَهر رمضان.

 

 

المجلس الخامس من مجالس شَهر رمضان (فضل تلاوة القرآن)

قال فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله وغفر له:-

تِلاوةُ كتَابِ اللهِ عَلَى نوعين: تلاوةٌ حكميَّةٌ وهي تَصْدِيقُ أخبارِه وتَنْفيذُ أحْكَامِهِ بِفِعْلِ أوامِرِهِ واجتناب نواهيه

والنوعُ الثاني: تلاوة لفظَّيةٌ، وهي قراءتُه.

عن عائشة-رضي الله عنها-أنَّ النبي-صلى الله عليه وسلّم-قال:«الماهرُ بالقرآن مع السَّفرةِ الكرامِ البررة،والذي يقرأ القرآنَ ويتتعتعُ فيه وهو عليه شاقٌّ له أجرانِ». والأجرانِ أحدُهُما على التلاوةِ، والثَّاني على مَشقَّتِها على القارئ

وعن أبي موسى الأشْعَريِّ -رضي الله عنه- أنَّ النَّبي -صلى الله عليه وسلّم- قالَ: «مثلُ المؤمنِ الَّذِي يقرأ القرآنَ مَثَلُ الأتْرُجَّةِ ريحُها طيبٌ وطعمُها طيّبٌ، ومثَلُ المؤمِن الَّذِي لاَ يقرَأ القرآنَ كمثلِ التمرة لا ريحَ لها وطعمُها حلوٌ»

إخواني: هذه فضائِل قِراءةِ القُرآنِ، وهذا أجْرُه لمن احتسب الأجرَ مِنَ الله والرِّضوان، أجورٌ كبيرةٌ لأعمالٍ يسيرةٍ، فالمَغْبونُ منْ فرَّط فيه، والخاسرُ مَنْ فاتَه الرِبْحُ حين لا يمكنُ تَلافِيه، وهذه الفضائلُ شاملةٌ لجميع القرآنِ.

وَقَدْ وردت السُّنَّةُ بفضائل سُورٍ معينةٍ مخصصةٍ

فاجْتهدوا إخواني في كثرةِ قراءةِ القرآنِ المباركِ لا سيَّما في هذا الشهرِ الَّذِي أنْزل فيه فإنَّ لكثْرة القراءةِ فيه مزيَّةً خاصةً.

وكان السَّلفُ الصالحُ -رضي الله عنهم- يُكثِرون من تلاوةِ القرآنِ في رمضانَ في الصلاةِ وغيرها.

كان الزُّهْرِيُّ -رحمه الله- إذا دخلَ رمضانُ يقول إنما هو تلاوةُ القرآنِ وإطْعَامُ الطَّعامِ.

وكان مالكٌ -رحمه الله- إذا دخلَ رمضانُ تركَ قراءةَ الحديثِ وَمَجَالسَ العلمِ وأقبَل على قراءةِ القرآنِ من المصْحف.

وكان قتادةُ رحمه الله يخْتِم القرآنَ في كلِّ سبعِ ليالٍ دائماً وفي رمضانَ في كلِّ ثلاثٍ وفي العشْرِ الأخير منه في كلِّ ليلةٍ.

 

المصدر:
كتاب:مجالس شَهر رمضان.

 

 

المجلس الرابع من مجالس شَهر رمضان (في حُكم قيام رمضان)

قال فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله وغفر له:-

امْتدَحَ الله في كتابِهِ القَائمينَ في صلاة الليل، فقال سبحانهُ {وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً}

وقال النبيُّ-صلى الله عليه وسلّم-: "أفضل الصلاةِ بَعْد الفريضةِ صلاةُ الليل"

ومن صلاة اللَّيل الوترُ أقلُّه ركعةٌ وأكثرهُ إحدَى عشرةَ ركعةً.

وصلاةُ الليل في رمضانَ لها فضيلةٌ ومزيَّةٌ على غيرها لقول النبي-صلى الله عليه وسلّم-: «مَنْ قَام رمضانَ إِيْماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبِهِ»، ومعنى قوله: «إِيْماناً» أي: إيماناً بالله وبما أعدَّه من الثوابِ للقائِمينَ، ومعنى قوله: «احتساباً» أي: طلباً لثَوابِ الله لم يَحْمِله على ذلك رياءٌ ولاَ سمعة ولا طلبُ مالٍ ولاَ جاهٍ.

وقيام رمضان شاملٌ للصَّلاةِ في أولِ اللَّيل وآخرِهِ.

وعلى هَذَا فالتَّراويحُ منْ قِيام رمضانَ: فينْبغِي الحرْصُ عليها والاعتناءُ بها واحتسابُ الأجْرِ والثوابِ مِنَ اللهِ عَلَيْهَا، وما هِيَ إلاَّ لَيالٍ مَعْدودةٌ ينْتهزُها المؤمنُ العاقلُ قبل فوَاتِها.

وإنما سُمِّيَتْ تراويحَ لأن الناسَ كانُوا يُطِيلونَها جدَّاً فكلما صَلَّوا أربَعَ رَكْعَاتٍ استراحُوا قليلاً.

واختَلَفَ السَّلفُ الصَّالحُ في عدد الركعاتِ في صلاةِ التَّراويحِ والْوترِ مَعَهَا.

وأرجح هذه الأقوال أنها إحدى عشرةَ أو ثلاثَ عشرةَ، فقد سُئلت عائشةَ -رضي الله عنها- كيفَ كانتْ صلاةُ النبيِّ -صلى الله عليه وسلّم- في رمضان؟ فقالت: «ما كانَ يزيدُ في رمضانَ ولا غيرِه على إحْدى عَشرةَ رِكعةً»

ولا ينبغي للرَّجل أنْ يتخلَّفَ عن صلاةِ التَّراويِح، لينالَ ثوابها وأجْرَها، ولا ينْصرفْ حتى ينتهي الإِمامُ منها ومِن الوترِ ليحصل له أجْرُ قيام الليل كلَّه.

ويجوز للنِّساءِ حُضورُ التراويحِ في المساجدِ إذا أمنتِ الفتنةُ منهنَّ وبهنَّ لقولِ النبيِّ-صلى الله عليه وسلّم-: «لا تَمْنعوا إماءَ الله مساجدَ الله»

 

المصدر:
كتاب:مجالس شَهر رمضان.

 

 

المجلس الثالث من مجالس شَهر رمضان (في حُكم صيام رمضان)

قال فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله وغفر له:-

وأجْمَعَ المسلمونَ على فرضيَّةِ صوم رمضان إجْمَاعاً قَطْعياً معلوماً بالضَّرُورةِ منِ دينِ الإِسْلامِ فمَنْ أنكر وجوبَه فقد كفَر، فيُستتاب فإن تابَ وأقرَّ بِوُجوبِه وإلاَّ قُتِلَ كَافراً مُرتَدَّاً عن الإِسلامِ لا يُغسَّلُ، ولاَ يُكَفَّنُ، ولاَ يُصَلَّى عليه، ولا يُدعَى له بالرَّحْمةِ، ولا يُدْفَنُ في مَقَابِر المسلمين، وإنما يُحْفَر له بعيداً فِي مَكانٍ ويُدفنُ؛ لئلا يُؤْذي الناس بِرائِحَتِهِ، ويتأذى أهْلُه بِمُشَاهَدَته.

فُرِضَ صِيامُ رمضانَ في السنةِ الثانيةِ منَ الهجرةِ، فصامَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلّم- تِسع سِنين، وكان فرض الصيَّام على مَرْحَلَتَيْن:

المَرْحَلةُ الأوْلَى: التَّخيير بَيْنَ الصيامِ والإِطعامِ مَعَ تفضيلِ الصيامِ عليهِ،المَرْحَلةُ الثانيةُ: تعيينُ الصيامِ بدون تخْييرٍ.

وإذا أُعلنَ ثبوتُ الشهرِ من قِبَلِ الحكومةِ ،وجَبَ العملُ بذلك في دخولِ الشَّهْرِ وخروجه في رمضانَ أوْ غيرهِ؛ لأنَّ إعلانَه مِن قِبَل الحكومةِ حُجَّةٌ شرعيَّةٌ يجبُ العملُ بها.

ولذلك أمر النبي-صلى الله عليه وسلّم-بلالاً أنْ يؤذِّنَ في الناسِ مُعلناً ثبوتَ الشهرِ ليصُوموا حينَ ثَبَتَ عنده-صلى الله عليه وسلّم- دخولُهُ، وَجَعَلَ ذَلِكَ الإِعْلامَ مُلزِماً لهم بالصيامِ.

وتبيّن بما جاء في الأحاديث: أنَّه لا يصامُ رمضانُ قبل رُؤْيَةِ هلالهِ، فإن لمْ يُرَ الهلالُ أُكْمِلَ شعبانُ ثلاثين يوماً

ولاَ يُصام يومُ الثلاثينَ منه سواءٌ كانتِ الليلةُ صحواً أم غيماً لقول عمار بن ياسرٍ -رضي الله عنه-: "مَنْ صَامَ اليومَ الَّذي يشكُّ فيه فقد عصى أبا القاسمِ صلى الله عليه وسلّم".

 

المصدر:
كتاب:مجالس شَهر رمضان.

 

 

Top