Super User Written by  ديسمبر 11, 2007 - 1230 زيارة

الكرامة الإنسانية والحرية

الكرامة الإنسانية والحرية

 وفيه مباحث

تمهيد

( متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً)

قبل أن نشرع في هذا الفصل أود أن أذكر القصة التاريخية الشهيرة المأثورة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع ابن عمرو بن العاص والمصري

عن أنس أن رجلا من أهل مصر أتى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين! عائذ بك من الظلم، قال: عذت معاذا، قال: سابقت ابن عمرو بن العاص فسبقته، فجعل يضربني بالسوط ويقول: أنا ابن الأكرمين، فكتب عمر إلى عمرو يأمره بالقدوم ويقدم بابنه معه، فقدم، فقال عمر: أين المصري؟ خذ السوط فاضرب، فجعل يضربه بالسوط ويقول عمر: اضرب ابن الأكرمين. قال أنس، فضرب، فوالله لقد ضربه ونحن نحب ضربه، فما أقلع عنه حتى تمنينا أنه يرفع عنه، ثم قال عمر للمصري: ضع السوط على صلعة (صلعة: رجل أصلع بين الصلع، وهو الذي انحسر شعر مقدم رأسه، وبابه طرب وموضعه الصلعة - بفتح اللام - والصلعة أيضا، بوزن الجرعة. المختار 291. ب) عمرو، فقال: يا أمير المؤمنين! إنما ابنه الذي ضربني وقد استقدت منه، فقال عمر لعمرو: مذ كم تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟ قال: يا أمير المؤمنين! لم أعلم ولم يأتني( (ابن عبد الحكم).

 

إن الكرامة الإنسانية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بحرية الإنسان فكرامة بلا حرية كطائر بلا أجنحة ، فأنى للكرامة أن ترفرف في العلياء إذا جردت من أجنحة الحرية؟!!

وقد جاء الإسلام ليكرس معنى الحرية المنضبطة التي  لا يتسبب من يتمتع بها في أذى الآخرين أو التعدي على حقوقهم، وهذا هو الفرق بين الإسلام وبقية الأعراف والشرائع الأرضية الأخرى ، فالإسلام يؤيد الحرية المنضبطة ولذا فهو وسط بين طرفين متناقضين : الطرف الأول : قيود بلا حرية والطرف الثاني حرية بلا قيود .

ونعني بالطرف الأول : مجتمعات كممت فيها الأفواه وأخرست الألسنة وقيدت الآراء فالويل كل الويل لمن قال : لا والعذاب الأليم هو مصير كل من رأى منكراً وحاول تغييره ، فالنصيحة أغلق بابها والشورى أمر بعيد المنال.

وعلى النقيض : فريق آخر أطلق لحريته العنان وترك لشهواته ومراداته المادية الحبل على الغارب فلا قيد على ممارسة الجنس مع الجميع رجلاً كان أو امرأة ..حلالاً كان أم حراماً فلا حرج عند ذلك الفريق من أن يمارس الجنس رجل مع رجل  أو امرأة مع امرأة أو أن يمارسه أو تمارسه قاصر ، ولا حدود عند أولئك للمساحة المباحة فالعشيقة والعشيق كالزوج والزوجة وتعدد العلاقات مع أكثر من خليل أو خليلة أمر مسموح به مادام برضاء الطرفين وما دامت النفوس قد مالت له والأهواء قد جنحت إليه والشهوات قد تواطئت عليه ، وليس ثمة ما يمنع عند أولئك القوم من نكاح المحارم إذا كان بتراضي الطرفين

ومما لا شك فيه أن الفريقين الأول والثاني اللذين هما على طرفي نقيض يهدمان سويا كل معاني كرامة الإنسان فالقهر مرفوض  والانفلات من القيم والأعراف المقبولة مرفوض أيضاً، فكان لابد من وسطية تطمئن عندها النفوس وترتاح إليها الفطر السليمة، هذه الوسطية هي التي جاء بها الإسلام ليسلط الأضواء على المفهوم الحقيقي والمنصف للحريات .

 وها نحن سنبين شيئاً من هذه الإضاءات الساطعة في الإسلام فيما يخص موضوع الحريات من خلال المباحث الآتية:

Top