Super User Written by  ديسمبر 01, 2008 - 2571 زيارة

من سلسلة حقوق الإنسان في الإسلام : حق الخدم

من سلسلة حقوق الإنسان في الإسلام : حق الخدم

 

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وبعد ، يعتقد بعض بل كثير من الناس أن الخدم الذين يعملون بين أيديهم هم عبيد لديهم ولم يفهموا أن الخادم بشر له كرامة مكلف بما كلفنا الله به من العبادات وموعود بما وعدنا الله به من الثواب والعقاب ، ولأن الخادم عليه من الواجبات أمام الله ما علينا فلزم أن يكون له من الحقوق ما لنا.

فضعف الخادم بينٌ وظاهر يحتاج منا إلى الرحمة التي حثنا عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وحذرنا من إهمالها ؛ فعن  جرير بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (لا يرحم اللهُ من لا يرحم الناسَ) متفق عليه واللفظ للبخاري.

وليس معنى كونه خادما أنه حقير ممتهن فأصحاب المهن المتدنية مثل الخدم وعاملي النظافة ومن شابههم لهم أهمية قصوى في حياتنا ولا يمكننا أن نستغني عنهم بل نحن في حاجة دائمة ويومية إليهم ربما أكثر مما نحتاج إلى الطبيب فهذه الخادمة على سبيل المثال تنجز شؤون بيوتنا الحياتية اليومية وتهتم بأطفالنا و...و...إلى آخره مما نعرفه جميعا ، ونظرا لأنها تنجز ما كلفت به فمن حقها ومن حق كل خادم أن يستمتع بكرامته مصونة دون أي انتقاص منها.

كما يجب علينا حينما ننظر إلى الخدم باتبارهم أسفل منا ، يجب علينا حينئذ ان ننظر إلى من هم فوقنا ؛ فما من واحد منا إلا وهو بين من هم فوقه ومن هم دونه فلماذا التكبر على عباد الله ؟!! فكما لا يقبل الواحد منا أن يهان ممن هو فوقه فللخادم نفس الحق في أن يعيش نفس ذلك الشعور.

واحتياجنا لأصحاب المهن المتدنية ضروري فدعونا نتخيل أن خادمة توقفت عن عملها يومين أو ثلاثة أيام كيف سيصير حال المنزل؟ ودعونا نتخيل أن عاملا للنظافة هو وآخرون مثله توقفوا عن العمل وعن جمع القمامة من أحيائنا وشوارعنا كيف سيكون مآل أحيائنا وإلى أي مدى يمكن أن تتدهور صحتنا وتتدنى بيئتنا ؟!!

فلهذا يجب أن ننظر إلى قول الله عز وجل الآتي ذكره بكل تمعن ونفهم أن الله قسم الأرزاق والمهام بين البشر ليتكاملوا جميعا لا ليحتقر بعضهم بعضا أو يتكبر بعضهم على بعض

يقول جل من قائل:

{ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} .
ولكي نعرف حق الخادم وطريقة معاملته تعالوا بنا نتعرف على الطريقة التي كان يتعامل بها الرسول صلى الله عليه وسلم مع الخدم وقد قال الله تعالى : { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} الأحزاب : 21

يقول أنس بن مالك خادم الرسول صلى الله عليه وسلم : خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين . والله ! ما قال لي : أفا قط . ولا قال لي لشيء : لم فعلت كذا ؟ وهلا فعلت كذا ؟

وفي رواية : خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع سنين فما أعلمه قال لي قط : لم فعلت كذا وكذا ؟ ولا عاب علي شيئا قط .

وفي رواية أخرى : خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما لامني فيما نسيت ولا فيما ضيعت ، فإن لامني بعض أهله قال : دعوه فما قدر فهو كائن.

وفي لفظ آخر : خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين ، فما قال لي لشيء فعلته ، لم فعلته ؟ ، ولا لشيء لم أفعله ، ألا فعلته ؟ وكان بعض أهله إذا عتبني على شيء يقول : دعوه فلو قضي شيء لكان


وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال :  جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كم أعفو عن الخادم؟ فصمت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم قال: يا رسول الله كم أعفو عن الخادم ؟ فقال : ( كل يوم سبعين مرة )  .رواه الترمذي وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي.

والخادم يدخل ضمن رعية مخدومه قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( ألا كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته ) متفق عليه.فمن رعايته أن يتيح له الفرصة والوقت لأداء العبادات والفرائض التي فرضها الله عليه وأن يعلمه أمور الدين إن وجده لا يعلمها أو أن يأتي له بمن يعلمه أمور الدين إن عجز هو عن إيصالها إليه

ومن حق الخادم أن يجد وقتا لراحته ونومه فكان عثمان بن عفان  رضي الله عنه لايوقظ  أحدا من خدمه إذا قام من الليل ليعينه علي وضوئه ولما عوتب وقيل له لو أيقظت بعض الخدم ؟ فيقول : لا الليل لهم يستريحون فيه

 وإن كان الخادم غير مسلم فمن أعظم ما يحفظ به كرامة ذلك الخادم أن يبصره إلى نور الحق بدعوته إلى الإسلام ففي ذلك خير عظيم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( فوالله لأن يهدي الله رجلا بك خير لك من أن يكون لك حمر النعم) متفق عليه.


ومن الحقوق التي تضيع كثيرا حقوق الخدم المالية فلا يجوز تضييع حق الخادم في راتبه أو  تأخيره كما نرى كثيرا من الناس يفعلون مستغلين ضعف الخادم وغربته وبعده عن وطنه وأهله ومن يدافعون عنه ، وهذا من تضييع الأمانات وعدم أدائها إلى أهلها ؛ يقول الله تعالى: { إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً}  [النساء: 58] .

وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره.
ومن إكرام الخادم أن جعله رسول الله صلى عليه وسلم بعد أهل صاحب العمل في ترتيب جهات الإنفاق فقد روى أبو داود في سننه بسند حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:  أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصدقة فقال رجل يا رسول الله عندي دينار فقال : ( تصدق به على نفسك ) ، قال : عندي آخر. قال ( تصدق به على ولدك ) . قال :  عندي آخر. قال : ( تصدق به على زوجتك أو قال زوجك) . قال: عندي آخر. قال : ( تصدق به على خادمك ) . قال : عندي آخر. قال :  ( أنت أبصر) .


وإن من حقوق أعظم حقوق الخادم أن لا يكلف من الأعمال إلا ما يطيق. فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  ( للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل إلاّ ما يطيق ) رواه مسلم. فإذا كان هذا  في حق  المملوك فكيف بالخادم الحر ؟!!

وليس عيبا أن نساعد الخدم إذا تكاثرت عليهم الأعمال والأعباء والحمولات ؛ فعن أبي ذر رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال في حق الخدم: ( ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم ) متفق عليه.

أما ضرب الخادم فهو من أشد أنواع امتهان الكرامة الإنسانية وقد نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فعن عائشة رضي الله عنها قالت : ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً قط بيده، ولا امرأة، ولا خادماً، إلاّ أن يجاهد في سبيل الله . رواه مسلم.
وقد كان صلى الله عليه وسلم يوصي بذلك، فعن أبي أمامة رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أقبل من خيبر ومعه غلامان فوهب أحدهما لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وقال:  ( لا تضربه؛ فإنّي نهيت عن ضرب أهل الصلاة، وإنّي رأيته يصلي منذ أقبلنا) .

وفي صحيح مسلم عن أبي مسعود البدري  رضي الله عنه قال:  كنت أضرب غلاماً لي فسمعت من خلفي صوتاً: ( اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك عليه)، فالتفت فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت : يا رسول الله هو حرٌ لوجه الله. فقال: ( أما لو لم تفعل، للفحتك النار، أو لمستك النار).

وإذا أردت أن تعرف إلى أي درجة يحفظ النبي صلى الله عليه وسلم للخدم كرامتهم فاقرأ هذا الحديث
عن أبي ذر رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:  ( إنّ إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه ممّا يأكل وليلبسه ممّا يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم  ) متفق عليه.
وعن جابر رضي الله عنه قال: أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن ندعوه ( أي ندعو الخادم إلى الطعام ) فإن كره أحدٌ أن يطعم معه فليطعمه أكلة في يده. رواه أحمد .

 وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:  ( إذا جاء أحدَكم خادمُه بطعامه فإن لم يُجلسه معه فليناوله لُقمة أو لُقمتين، أو أكلة أو أكلتين، فإنّه ولي علاجه ) أي إعداده . رواه البخاري

 ثم إنّ إطعام الخادم صدقةٌ، كإطعام النفس والزوجة والولد. فعن المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه أنّه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول:  ( ما أطعمت نفسك فهو لك صدقة، وما أطعمت ولدك فهو لك صدقة، وما أطعمت زوجك فهو لك صدقة، وما أطعمت خادمك فهو لك صدقة ) رواه البخاري في الأدب المفرد وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد وصحيح الترغيب والسلسلة الصحيحة
وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو لخادمه أنس، يقول أنس رضي الله عنه:  فما ترك خير آخرة ولا دنيا إلاّ دعا لي به، قال: اللّهم ارزقه مالا وولدا وبارك له فيه . رواه البخاري

 أخيراً تذكر وصية ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم:  ( اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به ) رواه مسلم.





 

Top